كتبت ـ شيماء حسن علي
يبدو أن الخلافات الليبية لم تنتهِ بانتهاء العام الماضي، بل إنها تمددت حتى وصلت إلى السلطة القضائية، بين خطوات وقرارات يقرها مجلس النواب في الشرق، وانتقادات حادة لهذه الإجراءات في الغرب، من قبل المجلس الأعلى للدولة والحكومة والمحكمة العليا نفسها.
ويرجع الخلاف أساسًا إلى محاولات مجلس النواب لإنشاء محكمة دستورية جديدة، وهي المحاولة التي اعتبرها البعض خطوة في مسار تكريس الانقسام السياسي ليطال السلطة القضائية، التي ظلت موحدة منذ سقوط نظام القذافي.
وفي خطوة اعتبرها المجلس الأعلى للدولة تعديًا على السلطة القضائية، أصدر الأخير بيانًا داعمًا للمحكمة العليا والدائرة الدستورية في طرابلس، وهو ما أيدته حكومة الوفاق عبر بيانها الأخير. جاءت هذه التحركات بعد إعلان مجلس النواب في بنغازي عن إصدار قانون لإنشاء محكمة دستورية عليا وتعيين قضاتها وافتتاح مقرها في بنغازي.
الواقع أن هذه الخطوة، بحسب متخصصين، تشكل حلقة في سلسلة تكريس الانقسام السياسي بين الشرق والغرب.
أهمية القضاء الدستوري وتحركات مجلس النواب
يعتبر القضاء الدستوري الضمانة الأساسية لسيادة الدستور وحماية الحقوق والحريات، حيث يراقب القوانين للتأكد من توافقها مع النصوص الدستورية ويمنع أي سلطة من تجاوز حدودها. كما يرسخ دولة القانون ومبادئ الحكم الديمقراطي من خلال حماية العملية الانتخابية والحقوق السياسية.
أهم مهام القضاء الدستوري تشمل: تفسير النصوص الدستورية، تحقيق التوازن بين السلطات، حماية الحقوق والحريات، وفرض الرقابة على دستورية القوانين.
أما أبرز التحديات التي يمكن أن يواجهها القضاء الدستوري، فهي تسييسه أو إنشاء محاكم دستورية متنافسة تؤثر على الاستقرار، وهو الوضع الذي تعاني منه ليبيا بعد سقوط نظام القذافي.
وبرّر مجلس النواب موقفه معتبرًا أن إنشاء محكمة دستورية لا يشكل انتهاكًا لمبدأ الفصل بين السلطات، بل يهدف إلى إيجاد جهة مستقلة تتولى الرقابة على دستورية القوانين. وأكد أن هذا الدور لا يمثل تدخلًا في أعمال السلطة القضائية، وأن الرقابة ستسهم في تنظيم أداء المؤسسات الديمقراطية والحفاظ على وحدة المنظومة القانونية وصون الحريات.
القضاء الدستوري، وفق المعايير المتعارف عليها، ينشأ عبر السلطة التأسيسية “الدستور”، ولا يجوز للحكومة أو مجلس النواب إنشاءه ما لم ينص الدستور على ذلك. ما حدث في ليبيا هو إنشاء محكمة دستورية عليا في بنغازي بالرغم من وجود الدائرة الدستورية في طرابلس، ما يظهر توغل السلطة التشريعية على السلطة القضائية الموحدة وتكريس الانقسام.
الإشكالية المتعلقة بالسلطة القضائية
في هذا الإطار، طرحنا بعض التساؤلات على المتخصص في الشأن الليبي أسامة الشحومي لتفسير ما يحدث على الساحة الليبية:
كيف تقيمون الخلاف بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة حول المحكمة العليا والمحكمة الدستورية؟
يرى “الشحومي” أن الخلاف ليس تقنيًا أو قانونيًا، بل أزمة بنيوية تمس جوهر الدولة الليبية، لأنه انتقل من مستوى الاختلاف السياسي لتفكيك المرجعية القضائية نفسها.
من الناحية الشكلية، يقدم مجلس النواب موقفه على أنه ممارسة لصلاحياته التشريعية لإنشاء محكمة دستورية جديدة في بنغازي، بينما يرى المجلس الأعلى للدولة أن هذا الإجراء يمثل تعديًا على الإعلان الدستوري وضربًا لمبدأ الفصل بين السلطات، خصوصًا في ظل غياب التوافق الوطني.
الواقع أن هناك محكمتين: المحكمة العليا والدائرة الدستورية في طرابلس، ومحكمة دستورية في بنغازي تم إنشاؤها من قبل مجلس النواب في أبريل الماضي، ما يؤدي إلى شرعيتين قضائيتين متصارعتين، وهو أخطر ما يمكن أن تصل إليه دولة مثل ليبيا.
ما مدى تأثير هذه الأزمة على المسار الأممي للحل السياسي؟
بحسب “الشحومي”، هذا الوضع مدمر للمسار الأممي، لأنه يقوض فكرة القاعدة الدستورية. أي مسار أممي يحتاج إلى جهة قضائية واحدة للفصل في دستورية القوانين والطعون الانتخابية، وبوجود محكمتين لا توجد ضمانات لأي استحقاق سياسي أو انتخابي، ما يؤدي عمليًا لتعطيل الانتخابات.
هل الانقسام يعكس صراعًا على الشرعية أم على النفوذ السياسي؟
الانقسام صراع على النفوذ مُغلف بخطاب الشرعية، فكل طرف يستخدم الشرعية كسلاح: البرلمان شرعية انتخابية قديمة، والمجلس الأعلى للدولة شرعية توافقية عبر اتفاق الصخيرات 2015. السيطرة على المحكمة الدستورية تعني السيطرة على الشرعية نفسها.
تقييم اللجنة الأممية المقترحة
رغم أن الفكرة تهدف إلى صون القضاء الدستوري، يرى “الشحومي” أن اللجنة المقترحة بدون أدوات إلزام، ولا سلطة تنفيذية، ولا آلية لفرض عقوبات على المعرقلين، وبالتالي يمكن اعتبارها “فاشلة”. كما أن تراكم المبادرات الأممية دون نتائج يمنح أطراف الصراع وقتًا لمواصلة الانقسام، ما يجعل اللجنة مجرد ترحيل للأزمة وليس حلًا لها.
تحركات مجلس النواب الأخيرة تظهر محاولة لشرعنة وضع موازي للسلطة في طرابلس، عبر إنشاء هياكل سياسية وتشريعية وعسكرية وقضائية في الشرق الليبي، بينما الحكومة المعترف بها دوليًا موجودة في الغرب. كل ذلك يحدث في ظل أزمات اقتصادية تعصف بالمواطن الليبي، وسط مطالب شعبية بإجراء انتخابات موحدة، بينما الواقع بعيد جدًا عن تحقيق الاستقرار.
