اعتبر خبراء سياسيون أن التعديل الوزاري الأخير في بوركينا فاسو يحمل دلالات رمزية عميقة، تعكس تصاعد التوجّه الأيديولوجي للسلطة العسكرية، في ظل سياق إقليمي شديد الاضطراب وتحديات أمنية متفاقمة.
وباستثناء إقالة وزير الرياضة والشباب والتشغيل، رولان سومدا، على خلفية الخروج المبكر للمنتخب الوطني من بطولة كأس أمم أفريقيا 2025 المقامة في المغرب، حافظت أبرز وجوه الحكومة على مناصبها، ليستمر الفريق الحكومي المكوّن من 22 وزيرًا بقيادة رئيس الوزراء جان إيمانويل ويدراوغو.
ويرى مراقبون أن التحول الأبرز في هذا التعديل لا يكمن في تغيير الأشخاص، بل في إعادة تسمية عدد من الوزارات، بما يعكس بوضوح الخطاب الثوري والتعبوي الذي يتبناه قائد المجلس العسكري، الكابتن إبراهيم تراوري.
فقد تحولت وزارة الدفاع وشؤون المحاربين القدامى إلى وزارة الحرب والدفاع الوطني، في صيغة توحي بتشدد تعبوي واضح، كما جرى دمج وزارتي البنية التحتية والعمران في وزارة واحدة تحت مسمى وزارة بناء الوطن في حين أُعيدت تسمية وزارة الوظيفة العمومية والعمل والحماية الاجتماعية لتصبح وزارة خَدَمة الشعب
ورغم الجدل الذي أثارته هذه التسميات، فإنها تعكس، بحسب محللين، تطورًا في رؤية تراوري، الذي قاد انقلابه في سبتمبر 2022 مبررًا تحركه بضرورة مواجهة تمدد الجماعات الإرهابية. وبعد أكثر من ثلاث سنوات، لا يزال الوضع الأمني هشًا، مع خروج مساحات واسعة من البلاد عن سيطرة الدولة، غير أن تراوري بات يطرح طموحات سياسية واجتماعية أوسع، بعد أن كان قد تعهد سابقًا بعدم البقاء طويلًا في السلطة.
وفي هذا السياق، قال الباحث البنيني المتخصص في شؤون الساحل وأمن غرب أفريقيا، جيل يابي، إن التعديل الوزاري يعكس انتقال السلطة العسكرية من منطق إدارة أزمة أمنية إلى مشروع سياسي متكامل، يعتمد على الرمزية والخطاب السيادي لتعزيز الشرعية الداخلية في ظل إخفاقات أمنية مستمرة
أضاف أن التركيز على مفاهيم مثل الحرب وبناء الوطن وخدمة الشعب يهدف إلى تعبئة المجتمع وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، في محاولة لتقديم السلطة العسكرية كفاعل ثوري يسعى إلى إعادة تأسيس الدولة على أسس وطنية وسيادية جديدة.من جانبه، اعتبر الخبير الغاني في الأمن الإقليمي ومنطقة الساحل، كوايسي آنينغ، أن هذه الخطوة تعكس «نزعة متزايدة نحو عسكرة الخطاب السياسي في دول الساحل»، محذرًا من أن نجاح هذا التوجه يظل مرهونًا بتحقيق تحسن فعلي في الأوضاع الأمنية والمعيشية، مؤكدًا أن الخطاب الرمزي وحده لا يكفي لضمان الاستقرار.
ويكشف التعديل الوزاري، وفق مراقبين، عن دخول الحكم العسكري في بوركينا فاسو مرحلة جديدة، تطغى فيها الرمزية السياسية والخطاب الثوري، في محاولة لإعادة تشكيل الدولة والهوية الوطنية، وسط تحديات أمنية معقدة تشهدها منطقة الساحل الأفريقي بأكملها


