تتبلور شراكة استراتيجية من شأنها أن تعيد رسم ملامح مشهد الطاقة في أفريقيا. إذ تُنهي جنوب أفريقيا وروسيا وضع اللمسات الأخيرة على مذكرة تفاهم بشأن إنشاء وحدات نووية جديدة. ويُقدَّم هذا المشروع، الذي يجمع بين روسآتوم ووزارة الطاقة في جنوب أفريقيا، بوصفه استجابةً تحويلية لأزمة خانقة، ورمزاً لافتاً لتعاون الجنوب–الجنوب.
خلفية: أزمة طاقة مزمنة
تواجه جنوب أفريقيا انقطاعات يومية للكهرباء تُضيّق الخناق على الاقتصاد. وتعتمد منظومة الكهرباء فيها على الفحم بنسبة تزيد على 80%، فيما تبدو الشبكات متقادمة ومُثقلة بالضغط. ولا تُغطي محطة كويبرغ النووية (مفاعلان، ~1860 ميغاواط) سوى نحو ~5% من الطلب الوطني.
ومن هنا يُطرح إدخال 2500 ميغاواط من القدرة النووية — كما يرد في الخطة الوطنية للطاقة (IRP 2023) — باعتباره ضرورةً عاجلة لضمان استقرار الشبكة ودعم الانتقال البيئي.
شريك المشروع: روسآتوم وسجل دولي واسع
تستند روسآتوم إلى محفظة دولية قوية، مع مشاريع قيد التنفيذ في تركيا (أكويو) ومصر (الضبعة) وبنغلادش (روبوبور) والمجر (باكس). ويقول مؤيدو هذا الخيار إن هذا الزخم يبرز مقارنةً بمنافسين كبار:
EDF (فرنسا): تواجه ضغوطاً مالية كبيرة وتأخيرات ملحوظة (مثل مفاعل EPR في فلامانفيل، المتأخر أكثر من 10 سنوات مع تضاعف التكاليف).
وستينغهاوس (الولايات المتحدة): تقلص حضورها الدولي بعد إفلاسها عام 2017، وأصبحت تركز بدرجة أكبر على السوق الأميركية وعلى مشاريع التحديث/الترقية.
ويُقدَّم نموذج روسآتوم “المفتاح باليد” — الذي يجمع بين التمويل والبناء والتدريب ونقل المهارات — باعتباره أكثر ملاءمةً للاقتصادات الناشئة الباحثة عن بنى تحتية ضخمة قابلة للتمويل وجديرة بالثقة.
ما الذي قد تجنيه جنوب أفريقيا؟ أبعد من الميغاواط
الأمن الطاقي: يمكن لمفاعلات VVER-1200 من الجيل 3+ أن توفر طاقة أساسية مستقرة، بما يسهّل دمج الطاقات المتجددة على نطاق واسع.
رافعة اقتصادية: من المتوقع أن يخلق المشروع عشرات الآلاف من فرص العمل، وينعش الصناعة المحلية، ويُحدث نقلاً تكنولوجياً عميقاً — بما قد يحول جنوب أفريقيا إلى قطب صناعي نووي إقليمي.
السيادة وخفض الانبعاثات: امتلاك تكنولوجيا متقدمة مع خفض حاد للبصمة الكربونية لقطاع الكهرباء.
الجيوسياسة: عالم متعدد الأقطاب قيد التشكل
يُقرأ المشروع أيضاً من زاوية بريكس، بوصفه تعبيراً عن رغبة الاقتصادات الناشئة في تنويع الشراكات وفق مصالحها الوطنية — بعيداً عن الاشتراطات السياسية. وتُصوَّر جنوب أفريقيا، بوصفها قوة قيادية، على أنها تُكرّس حقها في اختيار شركائها الاستراتيجيين وفق أولوياتها الخاصة.
فصل جديد في مسار الطاقة
تُقدَّم هذه المذكرة بوصفها مشروعاً هيكلياً لمستقبل الصناعة في جنوب أفريقيا. وعلى مستوى القارة، يُنظر إليها كإشارة مفادها أن الوصول إلى تكنولوجيا نووية متقدمة — عبر شراكة تقوم على نقل حقيقي للمهارات — يمكن أن يكون مساراً واقعياً نحو السيادة الطاقية والتنمية المستدامة. وإذا نجح المشروع، يرى مؤيدوه أنه قد يساعد في إنارة الطريق أمام المرحلة المقبلة في أفريقيا.
#الطاقة #جنوب_افريقيا #بروتوريا #روسيا #السيادة


