شيماء حسن علي
في خضم الأزمة المتفاقمة في مدينة الفاشر، وانسحاب قوات الجيش والحامية العسكرية التابعة له، وفرار أكثر من ربع مليون إنسان بعد سيطرة الدعم السريع عليها، أفادت عدة تقارير أممية ودولية بتوصيف الوضع في السودان والكشف عن إمداد الأسلحة والمعدات التي يستخدمها الدعم السريع، وكانت دولة الإمارات هي الجهة الرئيسية التي تم توصيفها مع وجود تعاون إقليمي من دول الجوار السوداني، وهو الدعم الذي طالما نددت به الحكومة في بورتسودان، غير أن الأخيرة تقدمت بدعاوى لمحكمة العدل الدولية لإدانة الإمارات على موقفها، ويبحث هذا القرير في الكشف عن أساليب دعم الطرف الإماراتي لقوات الدعم السريع، على النحو الآتي:
أولا: طبيعة الأسلحة المتواجدة منذ أبريل 2023
منذ اندلاع الصراع بين قوات الجيش وميليشيات الدعم السريع خلال الفتر (ابريل-يونيو2023)، فلم يكن من الملاحظ في ساحات المعركة غير الأسلحة التقليدية مثل الرشاشات الثقيلة عيار12,7م، والمدافع المضادة للطائرات ZU23 المثبتة على مركبات لاند كروزر والقنابل الصاروخية، ومدافع الهاون، وناقلات الجند BTR80، وبعض الأسلحة الصغيرة والخفيفة.
ومنذ أغسطس2023 استطاعت الدعم السريع الحصول على شحنات أسلحة ثقيلة وطائرات بدون طيار وطائرات هليكوبتر ومدافع هاوتزر وأسلحة مضادة للطائرات كبديل للأنظمة الدفاع الجوي، وعبر هذا الامداد اللوجيستي استطاعت الميليشيا ان تغير من ميزان القوى، كما اسقطت بالفعل بعض الطائرات التابعة لسلاح الجو السوداني، كما استطاعت السيطرة على مدينة “نيالا” و”الجنينة”، كما وثق تقرير الخبراء الأممي المعني بالسودان بعض الطرق الرئيسية التي يتم بها ارسال شحنات الأسلحة والدعم الطبي لمقاتلي الميليشيا المتمردة.
يعتبر مطار “ام جرس” في غرب دولة “تشاد” -يتواجد هناك مخيم اللاجئين السودانيين-جهة شحن وتوزيع للأسلحة التي تأتي عبر المطارات الإماراتية، كما يمكن لرحلات الطيران ان تتوقف للتزود بالوقود او غرض اخر في دول افريقية مثل كينيا روندا اوغندا، وعبر طريق “باري او كارياير”، بعد افراغ الشحنات في قوافل صغيرة في شاحنات والوصول الى غرب دارفور ومنها الى المناطق التي تسيطر عليها الميليشيات. كما قامت الحركات “الدارفورية” والتي لها علاقات بالمكون المجتمعي “التبو ” في ليبيا بشراء الوقود وتمريره من جنوب “ليبيا” الى “دارفور”، الامر لم يقتصر على الوقود لكن امتد لشراء الأسلحة، وسيارات اللاند كروزر وتمريرها عبر شمال “دارفور”.
وقد وثقت بعض صور الأقمار الصناعية الرحلات الجوية التي انطلقت من مطارات إماراتية “أبو ظبي” والعين”، لرحلات جوية لمطارات دول “ليبيا” و”تشاد” و”افريقيا الوسطى” و”جنوب السودان”، وبعد هذه الإجراءات، شنت الميليشيات هجمات منسقة على الخرطوم والجزيرة والمدن الرئيسية كما أعلنت دخول “الفاشر”، بالإضافة الى انها تستعد للسيطرة على بلدات في ” كردوفان”.
ثانيا: الأسلحة الصينية في قبضة الدعم السريع
وفقاً لتقرير منظمة العفو الدولية بأن قنابل موجهة صينية من طراز GB50A ومدافع هاوتزر AH-4 عيار 155 ملم تم العثور عليها بعد تحليل الصور والفيديوهات، وان هذه النوعية من الأسلحة والقنابل يتم تصنيعها عبر الشركة الصينية “كورينكو”، وان هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها توثيق استخدام هذا النوع من الأسلحة في صراع اهلي، أي ان دولة الامارات قد تعاقدت لشراء شحنات من الأسلحة ثم إعادة ارسالها مرة أخرى للدعم السريع في تجاوز لقرار مجلس الامن الدولي بفرض حظر تصدير السلاح في دارفور، حتى ان المنظمة قد حاولت التواصل مع الشركة الصينية لكنها لم ترد، كما تواصلت مع الامارات لكنها نفت هذه الادعاءات.
ثالثا: التنصل الإماراتي تحت غطاء المساعدات الإنسانية والطبية
وفقاً لتقرير المقدم لمجلس الأمن الدولي، عبر الفريق المعني بالشأن السوداني، فإن الدلائل التي تشير للتورط الإماراتي قد نفتها الأخيرة، إذ زعمت ان الشحنات التي تم تفريغها في مخيمات اللاجئين على الحدود التشادية السودانية قد كانت ضمن شحنات دعم انساني وطبي، وهي نفس الادعاءات التي لازال الطرف الإماراتي يرددها ومن ورائها الالة الإعلامية التابعة له، على الرغم من الأدلة الواضحة والموثقة التي اثبتت دعمها للميليشيات التي ترتكب الجرائم ضد السودانيين العزل.
رابعاً: جرائم الدعم السريع منذ سقوط الفاشر
ما وثقته التقارير الأممية “مروع بحق” اذ تم تسجيل حالات قتل تصل 2000شخض في يومين فقط، وبحسب شهود عيان، نفّذت القوات المهاجمة حملات تطهير ممنهجة على أساس الهوية القبلية، استهدفت أحياء الزغاوة والسلام والشمالي، حيث جرى اقتحام المنازل بيتاً بيتاً، وإعدام الأسر كاملة دون تمييز. كما وثّقت التقارير حالات اغتصاب جماعي وعنف جنسي ضد نساء وفتيات، ارتكبها عناصر من قوات الدعم السريع إلى جانب مقاتلين أجانب يُعتقد أنّهم جاؤوا من تشاد ومالي والنيجر، وقد أفاد بعض الأطباء المحليين بأنّ عدداً كبيراً من الضحايا أُعدموا من مسافة قريبة، بينما نُقلت بعض الجثث إلى أماكن مجهولة لإخفاء الأدلة، في حين تُركت جثث أخرى في الشوارع دون دفن، ووفقاً للدكتور “عبدالناصر حامد” كبير الباحثين ومدير برنامج شرق أفريقيا والسودان في مركز فوكس للأبحاث (السويد) فالمدينة تواجه الفاشر عمليات إعدام جماعي ممنهجة تستهدف المدنيين والأسرى على أساس الهوية والانتماء، ولكي تغطي على جرائمها التي انتشرت على صفحات التواصل الاجتماعي ،فقد تعمدت الميليشيا المتمرة قطع خدمة “ستارلينك” والاتصالات العامة عن المدينة ، في محاولة واضحة لـ منع تسريب الصور والفيديوهات التي توثق الإعدامات والانتهاكات الجارية.
والخلاصة، ان الدعم السريع استطاع بفضل الدعم الاماراتي والجهات الدولية والاقليمية الأخرى، تحديث منظومته من الأسلحة، باقتناء وقود و أسلحة نوعية أحدثت فارق في ميزان القوى، كما وفرت له ميزة نسبية بوجود دفاع جوي عبر الطائرات الصينية بدون طيار وانغ يونغ وغيرها، وبالتالي تحقيق مكاسب ميدانية، ورغم نفي الإمارات هذه الاتهامات وتبريرها بأن الشحنات “مساعدات إنسانية”، فإن الأدلة الميدانية تشير إلى عكس ذلك، خاصة مع ما وثّقته التقارير الأممية من مجازر وجرائم حرب بعد سقوط مدينة الفاشر في أكتوبر 2025، حيث تجاوز عدد القتلى 2000 شخص خلال يومين، وتكررت عمليات الإعدام الجماعي والعنف الجنسي والتطهير العرقي على أساس الهوية القبلية.


