كتبت ـ شيماء حسن علي
باحثة متخصصة في الشأن الإفريقي
تُعد نيجيريا من أكبر الدول المنتجة للنفط في إفريقيا، وتمتلك احتياطات ضخمة تؤهلها للعب دور مؤثر في سوق الطاقة العالمي. ورغم ذلك، تواجه الدولة واحدة من أخطر الإشكاليات المرتبطة بالاقتصاد الريعي، والمتمثلة في ظاهرة سرقة وتخزين النفط (التزود غير الشرعي بالوقود)، والتي تحولت من ممارسات فردية محدودة إلى نشاط منظم تشترك فيه أطراف محلية ووطنية ودولية. يهدف هذا التقرير إلى تحليل أسباب هذه الظاهرة، وأنماطها المختلفة، وتداعياتها الاقتصادية والأمنية، مع استعراض الجهود المبذولة لمواجهتها.
الخلفية العامة للظاهرة
تتركز أنشطة استخراج النفط في نيجيريا داخل منطقة دلتا النيجر الواقعة جنوب البلاد، وهي منطقة غنية بالموارد الطبيعية ومتنوعة عرقيًا، إلا أنها تعاني من التهميش السياسي والاقتصادي، وتردي الخدمات الأساسية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة. وعلى الرغم من أن هذه المنطقة تنتج النسبة الأكبر من النفط النيجيري، فإن عائدات هذا الإنتاج لا تنعكس إيجابًا على أوضاع السكان المحليين، ما أسهم في خلق حالة من السخط الاجتماعي، ووفّر بيئة مواتية لانتشار أنشطة غير مشروعة، من بينها سرقة النفط.
أسباب سرقة وتخزين النفط في نيجيريا
هناك عدة محفزات شكّلت طبيعة ظاهرة تخزين وسرقة النفط، وذلك على النحو الآتي:
1. الصراع حول اقتسام الموارد الفيدرالية
تعاني الولايات المنتجة للنفط من انخفاض مستمر في نسب تخصيص عائدات النفط منذ الاستقلال، حيث تقلصت هذه النسب من 50% إلى نحو 13% فقط في ظل الجمهورية الرابعة. وترى المجتمعات المحلية أن هذا التوزيع غير عادل، ولا يعوضها عن الأضرار البيئية والاقتصادية التي لحقت بها نتيجة أنشطة استخراج النفط.
2. الطبيعة الريعية للاقتصاد النيجيري
يعتمد الاقتصاد النيجيري بشكل شبه كامل على عائدات النفط، ما أدى إلى إهمال القطاعات الإنتاجية الأخرى وضعف التنمية الشاملة. كما أسهم هذا النمط الاقتصادي في إضعاف العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث باتت الحكومة أقل اعتمادًا على المواطنين وأكثر ارتباطًا بالشركات متعددة الجنسيات.
3. تحالف الدولة مع الشركات متعددة الجنسيات
توضح الدراسة أن تحالف الدولة مع شركات النفط غالبًا ما يتم على حساب المجتمعات المحلية، من خلال قمع الاحتجاجات، وتجاهل العدالة البيئية، وعدم الالتزام بالمسؤولية الاجتماعية. وقد أدى هذا السلوك إلى تصاعد التوترات، وتحول بعض الاحتجاجات السلمية إلى أعمال عنف.
4. فساد النخب السياسية والعسكرية
يشكل الفساد أحد العوامل المركزية في تفشي الظاهرة، حيث تورطت شخصيات سياسية وعسكرية في حماية شبكات سرقة النفط أو الاستفادة منها. كما أسهم استخدام الجماعات المسلحة في الصراعات السياسية المحلية في تعزيز انتشار السلاح والعنف.
5. الفقر والبطالة وتدمير سبل العيش
أدت أنشطة استخراج النفط إلى تلوث الأراضي الزراعية والمسطحات المائية، ما دمّر مصادر الرزق التقليدية مثل الزراعة والصيد. ومع ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، لجأ كثير من الشباب إلى سرقة النفط بوصفها وسيلة للبقاء.

أنماط سرقة النفط والتزود غير الشرعي بالوقود
أ- التزود المحلي غير الشرعي بالوقود
يتم فيه تكرير النفط المسروق بطرق بدائية للاستخدام المحلي، ما يؤدي إلى كوارث بيئية وانفجارات متكررة.
ب- سرقة النفط من خطوط الأنابيب
وهو النمط الأخطر، حيث يتم ثقب خطوط الأنابيب ونقل النفط عبر قوارب وسفن إلى الأسواق الإقليمية والدولية.
ج- تزوير مستندات الشحن
يتعلق بالتلاعب في وثائق نقل النفط الرسمية، وغالبًا ما تشترك فيه أطراف من داخل الشركات النفطية والجهات الحكومية.
تداعيات الظاهرة
في الواقع، كان لهذه الظاهرة عدة تداعيات، وذلك على النحو الآتي:
• تصاعد النزعات الانفصالية وانتشار الحركات المسلحة
• أسهمت سرقة النفط في تمويل الحركات المسلحة في دلتا النيجر، وتعزيز النزعات الانفصالية المرتبطة بالهويات العرقية.
• انتشار العنف النفطي والأسلحة الصغيرة
• تحولت عائدات النفط المسروق إلى مصدر رئيسي لتمويل شراء السلاح، ما أدى إلى إضعاف احتكار الدولة للقوة.
• تراجع إنتاج النفط والخسائر الاقتصادية
• تكبدت نيجيريا خسائر بمليارات الدولارات سنويًا، وتراجع إنتاجها النفطي إلى مستويات أقل بكثير من طاقتها القصوى.
• التأثير على أسعار النفط وسلاسل التوريد
• أثرت هذه الظاهرة على استقرار الإمدادات النفطية، وأسهمت في ارتفاع الأسعار محليًا وعالميًا.
• تفاقم التدهور البيئي والجريمة المنظمة
• ترافقت سرقة النفط مع تدمير واسع للبيئة، وانتشار أنشطة غير مشروعة أخرى مثل تجارة السلاح والمخدرات.
جهود المواجهة
هناك عدة جهود تم تطبيقها، وذلك عبر شركات النفط باستخدام تقنيات الحماية وصمامات الأمان، وإن كانت فعاليتها محدودة. وهناك الجهود الوطنية، بما في ذلك نشر القوات الأمنية، وبرامج العفو عن المسلحين، وتطبيق مبادرات الشفافية، ورفع الدعم عن الوقود. وهناك أيضًا الجهود الدولية من خلال التعاون الأمني والاستخباراتي، ودعم القدرات البحرية النيجيرية.
ويخلص التقرير إلى أن ظاهرة سرقة وتخزين النفط في نيجيريا تعكس أزمة بنيوية عميقة في علاقة الدولة بالمجتمع، وفشلًا في إدارة الموارد الطبيعية بعدالة وكفاءة. ولا يمكن مواجهة هذه الظاهرة بشكل فعّال دون تبني مقاربة شاملة تعالج جذور المشكلة، وعلى رأسها تحقيق التنمية المحلية، ومكافحة الفساد، وإصلاح الاقتصاد الريعي، وتعزيز العدالة البيئية، إلى جانب توافر إرادة سياسية حقيقية.
