يأتي التحرك العسكري للقيادة العامة للقوات المسلحة الليبية في الجنوب في سياق أمني بالغ التعقيد، فرضته تحديات تمس جوهر الأمن القومي الليبي، وليس في إطار توظيف سياسي للفراغ القائم كما يروج البعض.
هذا ما يؤكده المحللون والباحثون السياسيون الليبيون، الذين فضلوا حجب أسمائهم، لافتين إلى أن إقليم فزان بات ساحة لتداخل شبكات تهريب عابرة للحدود مع تقاطعات استخباراتية إقليمية معقدة، في محاولة لتحويله إلى خاصرة رخوة تهدد استقرار ليبيا من الداخل.
وأوضح الباحثون أن خطورة المشهد لا تقتصر على الداخل الليبي فحسب، بل تمتد تداعياته إلى أمن دول الجوار، وصولًا إلى البحر المتوسط وأوروبا، في ظل تصاعد أنشطة التهريب والهجرة غير النظامية، ومحاولات استغلال هشاشة الجنوب الليبي كمنطقة عبور مفتوحة للجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية.
في السياق ذاته، اعتبر محلل سياسي من الجنوب الليبي أن الهجوم الأخير على أحد المعابر الحدودية لم يكن سوى محاولة لإرباك المشهد الأمني، وضرب حالة الاستقرار النسبي التي تحققت مؤخرًا في الجنوب.
وأكد أن بسط سيطرة القوات المسلحة أسهم في تحسن ملحوظ للوضع الأمني، ما انعكس على عودة الحياة تدريجيًا وإطلاق مشاريع لإعادة الإعمار في مدن سبها ومرزق والشاطئ.
وأشار إلى أن سرعة تحرك الجيش وتعاملِه الحاسم مع الهجوم، واستعادة السيطرة الكاملة على المعبر، بعثت برسالة واضحة، مفادها أن الجنوب الليبي لم يعد ساحة مفتوحة للجماعات الخارجة عن القانون، وأن أي محاولات لفرض الفوضى أو إعادة تنشيط مسارات التهريب ستُواجه بحسم.
وعلى المستوى الرسمي، أدانت لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب الليبي الهجوم، واعتبرته اعتداءً خطيرًا على السيادة الوطنية، محذرة من أي دعم داخلي أو خارجي يقدم للمجموعات المسلحة.
وأكدت اللجنة أن مثل هذه التحركات لا تهدد ليبيا وحدها، بل تحمل انعكاسات مباشرة على أمن دول الجوار وأوروبا، في ظل الترابط الوثيق بين أمن الجنوب الليبي وملفات الهجرة والإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
ويعكس هذا التوافق بين التحليل السياسي والمواقف البرلمانية والرؤية العسكرية إدراكًا متزايدًا لخطورة ما يجري في الجنوب، باعتباره ساحة صراع إقليمي غير معلن، تتداخل فيها المصالح الاستخباراتية مع شبكات التهريب، ما يجعل معركة الجنوب معركة سيادة وأمن قومي بامتياز، تتجاوز حدود الجغرافيا الليبية.
