في قلب الأزمات الإنسانية المنسية التي تعصف بالقارة الإفريقية، يواصل الصحفي والمصور والعامل الإنساني، بيتر بيرو، أداء دور بالغ الأهمية في توثيق المعاناة الإنسانية ونقلها إلى العالم. يعمل بيرو حاليًا مسؤولًا إقليميًا للمعلومات في مكتب المساعدات الإنسانية التابع للاتحاد الأوروبي، ومقره نيروبي، حيث يغطي أوضاع شرق وجنوب إفريقيا، مستندًا إلى خبرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود في مناطق الأزمات والنزاعات حول العالم، من كمبوديا وكوسوفو إلى سيراليون وتيمور الشرقية والعراق.
لا تقتصر مهمة بيتر بيرو على الرصد والتوثيق، بل تتجاوز ذلك إلى بناء علاقة إنسانية عميقة مع المجتمعات المتضررة. فعلى الرغم من سنوات طويلة قضاها في تغطية النزاعات والكوارث، لم تفقده التجربة حساسيته تجاه البشر الذين يلتقيهم. بل يؤكد أن اتساع حجم المعاناة التي يشهدها يجعل من الضروري الحفاظ على التواصل العاطفي والإنساني مع الضحايا، معتبرًا أن قصصهم ومشاعرهم يجب أن تظل جزءًا أصيلًا من أي عمل صحفي أو إنساني.
ويقول بيرو، بحسب ما نشرته المفوضية الأوروبية، إن حجم الألم الإنساني قد يكون طاغيًا في بعض الأحيان، لكن العمل في هذا المجال يتطلب القدرة على الفهم والتعاطف، لأن الإنسان هو جوهر القصة، وليس الأرقام أو البيانات وحدها.
الصراع في السودان
وتعد السودان واحدة من أبرز الدول التي تقع ضمن نطاق عمله، حيث تشهد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم حاليًا. فقد أدى الصراع المستمر إلى نزوح ملايين الأشخاص، ودفع مجتمعات بأكملها إلى حافة الانهيار، مع حرمان واسع من الغذاء والحماية والخدمات الأساسية. كما تُعد البلاد من أخطر البيئات على العاملين في المجال الإنساني، إذ تشير البيانات إلى أنه بحلول أبريل 2025، كان جميع العاملين في المجال الإنساني الذين قُتلوا هناك من الكوادر المحلية، في دلالة صارخة على حجم المخاطر التي يواجهها من يحاولون إيصال المساعدات.
ورغم التقارير المتواترة عن عمليات قتل جماعي، وعنف جنسي واسع النطاق، ونزوح متواصل، لا تزال الأزمة السودانية تعاني من ضعف التغطية والاهتمام الدولي. ويؤكد بيرو أن هذه القصص لا بد أن تُروى، مشيرًا إلى أن بعض النزاعات الإفريقية استمرت لعقود طويلة، بينما ظل المدنيون يدفعون ثمنًا إنسانيًا هائلًا بعيدًا عن أضواء الإعلام العالمي.
ولا يقتصر الضغط الإنساني على السودان وحده، بل يمتد إلى مناطق أخرى في الإقليم، من بينها الأزمة المزمنة في الصومال، وتصاعد النزاع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، والاكتظاظ الشديد في مخيمات اللاجئين بإثيوبيا وأوغندا، فضلًا عن الصدمات المناخية المتكررة التي تضرب القرن الإفريقي وجنوب القارة. كما تشمل التحديات آثار الأعاصير الأخيرة في موزمبيق، ووجود أعداد كبيرة من اللاجئين في كينيا، واستمرار مسارات الهجرة عبر جيبوتي نحو دول الخليج.
ويشير بيرو إلى أن الحصول على اهتمام مستدام من الرأي العام أو وسائل الإعلام الدولية يمثل تحديًا حقيقيًا، رغم أن حجم المعاناة الإنسانية في هذه المناطق بالغ الاتساع، مؤكدًا أن القصص التي تُروى، إلى جانب المساعدات التي يقدمها الاتحاد الأوروبي، تظل ذات أثر حاسم في حياة الملايين.
ومن أكثر ما يقدّره بيرو في عمله، لقاء الناس وتوثيق معاناتهم إلى جانب قدرتهم اللافتة على الصمود. ويتذكر لقاءه بأسرة في الصومال تعرضت للنزوح ثلاث مرات خلال عام واحد، أولًا بسبب النزاع، ثم نتيجة الجفاف، وأخيرًا جراء الفيضانات، في مثال صارخ على تداخل الأزمات الطبيعية والبشرية.
ويؤكد أن بعض الدول تواجه أزمات متزامنة، مشيرًا إلى أن الكوارث الطبيعية يمكن الاستعداد لها نسبيًا، بينما يصعب التنبؤ بالأزمات التي يصنعها الإنسان، رغم أنها تمس حياة الملايين.
وفي سياق الكوارث المرتبطة بالمناخ، يحرص بيرو على الاستماع إلى كبار السن في المجتمعات المحلية، سائلًا إياهم عما إذا كانوا قد شهدوا ظروفًا مماثلة في حياتهم. وغالبًا ما تأتي الإجابة بالنفي، حتى من أشخاص تجاوزت أعمارهم الثمانين عامًا، وهو ما يتوافق مع الأدلة العلمية التي تشير إلى ازدياد وتيرة وحدة الصدمات المناخية. ورغم هشاشة أوضاع هذه المجتمعات، فإنها تواصل البحث عن سبل للتكيف والبقاء.
وعلى الرغم من قسوة المشهد، يلاحظ بيرو باستمرار مظاهر تضامن إنساني لافتة. ففي مخيمات النزوح، يتقاسم الجيران الجدد الطعام والماء والظل، وفي القرى النائية يتكاتف السكان لإصلاح الطرق، أو دعم الأرامل، أو مساعدة الأسر التي فقدت كل شيء. ويرى أن هذه الأفعال الصغيرة لا تلغي المعاناة، لكنها تكشف عن قوة المجتمعات عندما ينهار كل ما حولها.
كما يبدي بيرو تفاؤلًا خاصًا تجاه الشباب الذين يلتقيهم، من متطوعين وطلاب ومنظمي مجتمعات محلية، ممن يرفضون حصر مستقبل بلدانهم في الأزمات فقط، ويسعون إلى التعليم والعمل البيئي وخلق فرص جديدة.
وفي ظل تصاعد الأزمات، تواجه الفئات الأكثر هشاشة، ولا سيما النساء والفتيات، إضافة إلى الرجال والفتيان، مستويات مرتفعة من العنف الجسدي والجنسي. ففي السودان والكونغو ومناطق أخرى، يُستخدم العنف الجنسي كسلاح في النزاعات، مخلفًا آثارًا جسدية ونفسية عميقة لدى الناجين.
وتعمل منظمات إنسانية مدعومة من الاتحاد الأوروبي في ظروف بالغة الخطورة لتقديم الدعم النفسي، وتوفير المساحات الآمنة، والرعاية الطبية لضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي. كما يعزز الاتحاد الأوروبي هذه الجهود من خلال الدعوة إلى المساواة بين الجنسين، وتمويل خدمات الصحة الإنجابية في مناطق النزاع، والتعاون مع قادة المجتمعات لمواجهة الأعراف الضارة.
وفي مناطق تعاني ضعف البنية التحتية وشح الخدمات، مثل أجزاء من جمهورية الكونغو الديمقراطية، تشكل الغابات الكثيفة وغياب الطرق المعبدة عائقًا خطيرًا أمام الوصول إلى الرعاية الصحية، حيث يضطر الأهالي أحيانًا إلى حمل المرضى أيامًا كاملة للوصول إلى أقرب مركز طبي، ما يبرز الحاجة الملحّة إلى اهتمام إنساني مستدام.
وفي المقابل، يشير بيرو إلى الأثر الملموس الذي يمكن أن تحدثه المساعدات الإنسانية، إذ تسهم المشاريع المدعومة من الاتحاد الأوروبي في خفض معدلات سوء التغذية بين الأطفال، وإعادة فتح المدارس، ومساعدة المجتمعات على بدء مسار التعافي وإعادة البناء.
ويؤكد أن هذه التحسينات قد تبدو محدودة من منظور خارجي، لكنها بالنسبة للمتضررين تعني الأمان والكرامة وفرصة حقيقية للنهوض من جديد. ورغم قسوة البيئات التي يعمل فيها، يلاحظ بيرو أن لحظات الدفء الإنساني والضحك والترحيب لا تغيب، حتى في أحلك الظروف، لتظل شاهدًا على قدرة الإنسان على الصمود في وجه الأزمات.


