تواصل الصين تعزيز حضورها العسكري في القارة الأفريقية، مستغلةً تراجع الاهتمام الغربي النسبي بالقارة ومواردها الطبيعية الهائلة وموقعها الاستراتيجي وعدد سكانها المتزايد، ما يجعلها ساحة تنافس رئيسية بين القوى الدولية الكبرى. وتحولت العلاقات الصينية–الأفريقية من شراكات اقتصادية وتنموية إلى شراكات عسكرية متعددة الأوجه تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وإيفاد مدربين وخبراء، وتقديم مساعدات في مجالات الدفاع والأمن، والمشاركة في عمليات حفظ السلام، وتوريد الأسلحة الصغيرة والمتوسطة، وصولاً إلى إنشاء قواعد لوجستية دائمة.
السياق الاستراتيجي والدوافع
تأتي الخطوة الصينية في سياق تحولات عميقة في النظام الدولي بعد نهاية الحرب الباردة، حيث فرضت الهيمنة الأمريكية على الصين ضرورة إيجاد موطئ قدم في مناطق استراتيجية خارج محيطها الإقليمي، لتحقيق توازن للقوى ومواجهة أي محاولات غربية قد تعرقل صعودها الاقتصادي. واعتمدت الصين في تعاملها مع الدول الأفريقية على نموذج يختلف عن النموذج الغربي القائم على المشروطية السياسية والاقتصادية، حيث ركزت بكين على المبادئ الخمسة للتعايش السلمي، والتي تشمل الاحترام المتبادل للسيادة، وسلامة الأراضي، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والمساواة والمنفعة المتبادلة.
رغم أن هذه المبادئ تبدو داعمة للسيادة والتنمية، إلا أنها تُعد أداة استراتيجية فعالة مكنت الصين من تجاوز الدبلوماسية الغربية التقليدية، ما منحها قبولاً واسعاً لدى النخب الحاكمة الأفريقية، خاصة في الدول التي تواجه ضغوطاً غربية تتعلق بالحكم الرشيد وحقوق الإنسان، وأسهمت في تعزيز مكانتها بين القوى الكبرى وإزاحة النفوذ التقليدي الفرنسي والبريطاني.
أدوات النفوذ الصينية
- عمليات حفظ السلام: أصبحت قوات حفظ السلام الصينية جزءاً أساسياً من الحضور العسكري في أفريقيا، حيث تشارك بكين كثاني أكبر ممول لعمليات السلام الأممية وتقدم أكبر عدد من العناصر البشرية بين الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن. ويعمل حوالي 2000 فرد من قوات حفظ السلام الصينية حالياً في أفريقيا. ويهدف هذا التواجد لحماية المصالح الاقتصادية الصينية وضمان استقرار مناطق الاستثمار، كما يعزز صورة الصين كقوة مسؤولة على الساحة الدولية ويدعم موقفها في المحافل الدولية، بما في ذلك قضية تايوان.
- مبيعات الأسلحة ونقل التكنولوجيا: توسعت الصين لتصبح أكبر مورد للأسلحة في أفريقيا جنوب الصحراء، حيث تسلمت 21 دولة على الأقل شحنات أسلحة من بكين بين 2019 و2023، فيما يعتمد نحو 70% من الجيوش الأفريقية على مركبات مدرعة صينية الصنع. كما يشمل التعاون العسكري التدريبات المشتركة والتعليم العسكري وتبادل الخبرات، حيث أجرت القوات المسلحة الصينية 19 تدريباً عسكرياً و44 زيارة لموانئ بحرية و276 تبادلاً دفاعياً رفيع المستوى منذ عام 2000، مع التركيز على نقل التكنولوجيا الصينية لتحديث الجيوش الأفريقية وتقليل اعتمادها على الترسانات الغربية.
- التدريب الأمني ومكافحة الإرهاب: تستخدم الصين التعاون الأمني والتدريب كأداة ناعمة لزيادة نفوذها العسكري في المؤسسات الأفريقية، حيث عقدت عام 2023 النسخة الثالثة من “منتدى السلام والأمن الصيني–الأفريقي” بمشاركة قادة عسكريين من 50 دولة، مع التركيز على مبادرة الأمن العالمي الصينية ودعم قدرات الدول الأفريقية في مواجهة الإرهاب والقرصنة والجريمة المنظمة. وتضمنت المبادرات تنظيم دورات تدريبية للضباط الأفارقة في الأكاديميات الصينية وتقديم برامج لبناء القدرات في الاستخبارات ومراقبة الحدود وإدارة الأزمات، كما دعمت بكين برامج مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل والقرن الأفريقي، مع تقديم مساعدات تقنية ولوجستية لتطوير الأجهزة الأمنية في نيجيريا وكينيا وإثيوبيا.
- بناء القواعد العسكرية: تمتلك الصين قاعدة دائمة في جيبوتي، تمثل أول وجود عسكري دائم لها خارج أراضيها، وتخدم القاعدة مهام حفظ السلام، التدريب العسكري، حماية المواطنين الصينيين في الخارج والقيام بعمليات الإنقاذ الطارئة، إضافة إلى تأمين الممرات البحرية الحيوية. كما تعمل الصين على تعزيز الروابط التجارية بين جيبوتي وإثيوبيا، وقد أشارت تقارير أمريكية إلى توجه بكين لإنشاء قاعدة ثانية في غينيا الاستوائية لتعزيز وجودها في غرب أفريقيا.
التداعيات الجيوسياسية
- أثار التوسع الصيني مخاوف أمريكية من النفوذ المتزايد في الساحل الأطلسي وأفريقيا الشرقية، مما يفرض إعادة تقييم الاستراتيجيات العسكرية للقوات الأمريكية وحلفائها.
- ساعد تراجع النفوذ الغربي التقليدي، خاصة الفرنسي، في أفريقيا الفرنكفونية على تعزيز النفوذ الصيني عبر تقديم منح وتوريد الأسلحة والتدريب العسكري، ما يعكس تحولاً جيوسياسياً بعيد المدى.
- أصبحت أفريقيا ساحة صراع بالوكالة بين القوى الكبرى، مع دخول فاعلين جدد مثل تركيا والإمارات وإيران، ما يزيد تعقيد المشهد ويحول مناطق القرن الأفريقي والساحل وغرب القارة إلى مسارح مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية.
التحديات المستقبلية
تواجه الشراكة العسكرية الصينية–الأفريقية تحديات تشمل مخاوف الدول الأفريقية من التبعية العسكرية غير المباشرة، وانتقادات غربية لتوظيف التعاون العسكري لتعزيز النفوذ الجيوسياسي، إضافة إلى ضعف المؤسسات الأمنية الأفريقية الذي قد يقلل من فعالية التعاون. كما قد يؤدي ركود مشاريع الحزام والطريق أو تفاقم ديون الدول الأفريقية إلى فقدان جاذبية النموذج الصيني.
تعتبر الصين حضورها العسكري في أفريقيا استراتيجية متكاملة تهدف إلى حماية مصالحها الاقتصادية الضخمة، موازنة الهيمنة الأمريكية، وتأمين استثماراتها ضمن مبادرة الحزام والطريق. ويعتمد هذا التمدد على مزيج من القوة الصلبة والناعمة، تشمل حفظ السلام الدولي، مبيعات الأسلحة، التدريب العسكري، وبناء القواعد العسكرية، ما يعزز مكانة بكين كشريك أمني شامل. وتضع هذه التحركات أفريقيا في قلب المنافسة بين القوى الكبرى، مع استمرار المخاطر التي تهدد سيادة الدول الأفريقية إذا تحولت القارة إلى ساحة صراع مفتوحة، ويظل نجاح الصين مرتبطاً بقدرتها على الحفاظ على استقرارها الاقتصادي والسياسي وتجنب تحول النفوذ العسكري إلى عامل توتر إقليمي وجيوسياسي.
