يواجه المشهد التكنولوجي العالمي في المرحلة الراهنة تحولًا هيكليًا عميقًا باتجاه نموذج جديد للأمن الاقتصادي، يقوم على إعادة تعريف مفاهيم التجارة والتكامل الصناعي في القطاعات التقنية الحساسة. وفي هذا السياق، تمثل مبادرة باكس سيليكا، التي أُطلقت رسميًا في أواخر عام 2025، خروجًا واضحًا عن أنماط التجارة التقليدية، إذ تضع في صدارة أولوياتها بناء أنظمة تكنولوجية موثوقة وتأمين سلاسل إمداد أشباه الموصلات والبنية التحتية المرتبطة بها.
وبالنسبة لإثيوبيا، يتقاطع هذا التحول العالمي مع تنفيذ استراتيجية إثيوبيا الرقمية 2030، وهي خارطة طريق طموحة تستهدف تحويل الاقتصاد الوطني إلى نموذج رقمي متكامل. ويتيح هذا التزامن فرصة استراتيجية نادرة، إذ يمكن لإثيوبيا، من خلال مواءمة طموحاتها الوطنية مع الإطار العالمي الناشئ، أن تستثمر مواردها الغنية من الطاقة، وثرواتها المعدنية الحيوية، وقاعدتها الديموغرافية الشابة، لضمان موقع فاعل ضمن منظومة الذكاء الاصطناعي وتصنيع الأجهزة على المستوى الدولي.
وقد شكّل إطلاق استراتيجية إثيوبيا الرقمية 2030 نقطة تحول في مقاربة الدولة للتنمية، حيث تستهدف توسيع قاعدة المشتركين في خدمات الهاتف المحمول لتصل إلى 128 مليون مشترك، إلى جانب تحقيق تغطية كاملة لشبكات الجيل الخامس في مئة مدينة رئيسية. ويتقاطع هذا الطموح الداخلي مع التوجهات التي يفرضها إطار باكس سيليكا، والذي ينظم شراكات دولية ترتكز على أمن البنية التحتية الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي، بما يشمل المعادن الحيوية، ومدخلات الطاقة، والبنية التحتية المتقدمة للحوسبة.
وبالنظر إلى تعداد سكاني يناهز 130 مليون نسمة، تتيح هذه المبادرة لإثيوبيا مسارًا لتجاوز قيود التنمية التقليدية. وتشير التقديرات الاستراتيجية إلى أن ما يُعرف بميزة الثقة، التي يوفرها الانخراط في باكس سيليكا من حيث الوصول إلى أبحاث متقدمة وتمويل آمن وأجهزة عالية التقنية، قد يشكّل الحافز الأساسي لنقل إثيوبيا من موقع المستهلك للتكنولوجيا إلى فاعل مشارك في سلاسل القيمة الرقمية العالمية.
وفي عصر أصبحت فيه الحوسبة ركيزة استراتيجية للاقتصادات الحديثة، تبرز مسألة الطاقة بوصفها عنصرًا حاسمًا في تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وتتمتع إثيوبيا بميزة تنافسية إقليمية واضحة في هذا المجال، مدعومة بقطاع طاقة يعتمد بدرجة كبيرة على مصادر متجددة، وعلى رأسها سد النهضة الإثيوبي الكبير بقدرة إنتاجية تبلغ 5150 ميغاواط. وتتيح أسعار الكهرباء الصناعية المنخفضة، التي تتراوح بين 0.032 و0.04 دولار لكل كيلوواط ساعة، بيئة شديدة الجاذبية لاستضافة مراكز بيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة، لا سيما في ظل التزام أعضاء باكس سيليكا بمعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية.
وعلى صعيد سلاسل القيمة المادية للتكنولوجيا، يركز إطار باكس سيليكا على تأمين أشباه الموصلات والمعادن الحيوية، وهو ما يضع إثيوبيا في موقع شريك استراتيجي محتمل، في ظل ما تمتلكه من احتياطيات غير مستغلة من التنتالوم والليثيوم والعناصر الأرضية النادرة. كما توفر المناطق الصناعية القائمة، التي يزيد عددها على ثلاث عشرة منطقة، بنية تحتية جاهزة للانتقال من تصنيع السلع الاستهلاكية إلى تجميع الأجهزة الموثوقة وتغليف أشباه الموصلات، ضمن نموذج توطين صناعي أكثر تقدمًا.
ويمتد هذا التحول إلى البعد البشري للاقتصاد الرقمي، حيث تشكل الفئة العمرية التي تقل عن ثلاثين عامًا نحو سبعين في المئة من السكان، ما يمنح إثيوبيا رصيدًا ديموغرافيًا مهمًا لدعم القطاعات كثيفة العمالة في البرمجيات والخدمات الرقمية. وتتيح مبادرة باكس سيليكا تعزيز نقل المعرفة من خلال شراكات أكاديمية وصناعية، بما يدعم مبادرات وطنية مثل برنامج خمسة ملايين مبرمج، ويفتح المجال أمام تحويل البلاد إلى مركز إقليمي لتصدير الخدمات الرقمية الموثوقة.
ويرتبط نجاح هذا التحول ارتباطًا وثيقًا بقدرة إثيوبيا على تسهيل التجارة الرقمية عبر الحدود، من خلال تبني معايير تقنية متوافقة مع الإطار العالمي الجديد، مثل شبكات الوصول الراديوي المفتوحة وبروتوكولات الحوسبة السحابية الآمنة. ومن خلال التنسيق مع المؤسسات الإقليمية، يمكن لإثيوبيا الإسهام في بلورة معايير رقمية أفريقية موحدة تعزز الثقة والأمن، وتدعم التوسع في الخدمات الرقمية داخل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.
ويشير تقييم المسار الاستراتيجي لتكامل إثيوبيا مع إطار باكس سيليكا إلى سيناريوهين محتملين خلال العقد المقبل. الأول يتمثل في تحقيق تكامل عميق يجعل من البلاد مركزًا أفريقيًا للذكاء الاصطناعي وتجميع الأجهزة، بما يجذب استثمارات ضخمة ويحقق نموًا اقتصاديًا تقوده القطاعات الرقمية. أما السيناريو الثاني، فينطوي على مخاطر التجزئة الرقمية بين المناطق الحضرية والريفية. ولتفادي هذا المسار، يتعين ترجمة ميزة الثقة إلى بنية تحتية شاملة تقلص الفجوة الرقمية الداخلية.
ولتعظيم العوائد الاستراتيجية لهذا الانخراط، تبرز الحاجة إلى تدخلات سياسية واضحة، تشمل إنشاء وحدة وطنية متخصصة لإدارة العلاقات التقنية مع دول باكس سيليكا، واعتماد سياسات تسعير تفضيلية للحوسبة الخضراء، وتعزيز البنية التحتية العامة الرقمية، إلى جانب فرض متطلبات للقيمة المضافة المحلية في قطاع المعادن الاستراتيجية، ومزامنة التشريعات الرقمية مع الأطر الإقليمية الأفريقية.
