شيماء حسن علي
أصدر الاتحاد الأفريقي، بياناً حول الأحداث في فنزويلا، وأعرب عن قلقه بشأن اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، والهجمات على المنشآت العسكرية. وأكد التزام الاتحاد الثابت بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي، بما في ذلك احترام سيادة الدول، وسلامتها الإقليمية، وحق الشعوب في تقرير المصير، على النحو المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة.
وشدد على أن التحديات الداخلية المعقدة التي تواجه فنزويلا، لا يمكن معالجتها على نحو مستدام، إلا من خلال الحوار السياسي الشامل بين الفنزويليين أنفسهم، ثم اختتم البيان بدعوة الأطراف المعنية إلى ممارسة ضبط النفس والمسؤولية واحترام القانون الدولي.
يأتي هذا البيان في ظل تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية لدول القارة، وتكالب دولي على مواردها، وبعد إعلان استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، وإرساء مبدأ ترامب في السياسة الخارجية “السلام بالقوة”.
مبدأ ترامب “السلام بالقوة” وفنزويلا
تفاجأ العالم بالعملية العسكرية الأمريكية والتي تمت تحت إشراف وزارة الحرب، وبمشاركة قوات البحرية والقوات الجوية، وقوات “دلتا” والتنسيق مع قوات إنفاذ القانون، وفريق خاص بإنقاذ الرهائن، وعبر استخدام قاذفات استراتيجية و150طائرة من طرازات متعددة، استطاعت القوات الامريكية ضرب المواقع العسكرية والمنشآت الاستراتيجية وتحييد الدفاعات الجوية، كما استطاعت قوات دلتا وفريق إنقاذ الرهائن وبمشاركة الاستخبارات تحديد مكان الرئيس مادورو، واعتقاله هو وزوجته ونقله عبر سفينة أمريكية الى الولايات المتحدة، لمحاكمته وزوجته بتهم تخص الإرهاب المرتبط بتجارة المخدرات. فهل فعلاً دوافع الإدارة الأمريكية هي مواجهة الإرهاب المرتبط بالمخدرات؟ أم أن هناك دوافع أخرى؟
في الواقع، أن أي متابع للأحداث يتسطيع أن يعرف جيداً الدواقع الحقيقية التي لم يخفيها ترامب نفسه، وهي الهيمنة والسيطرة على الموارد الطبيعية التي تمتلكها فنزويلا، والتي لن تستطيع واشنطن الوصول إليها طالما بقي مادورو موجودًا في السلطة، ففعليا، تُعد فنزويلا صاحبة أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم (أكبر من السعودية وكندا) يقدر بحوالي 300 ملياربرميل، وتمتلك احتياطيًا من الغاز الطبيعي يقدر بـ200 تيريليون برميل، بالإضافة لثروات الذهب الذي تقدر بأكثر من 7000 طن، واحتياطي كبير من الحديد عالي النقاء، فضلاً عن رواسب الماس، النيكل، وأكبر احتياطيات البوكسايت ،والفحم، والخشب مثل الأرز، الأبانوس، الغابات الكثيفة في منطقة الأمازون، والثروة المائية الهائلة والتي يمكن أن تتيح لها قدرات هائلة لإنتاج الطاقة النظيفة.
وعلى جانب آخر يعتبر موقع فنويلا استراتيجي، كما ان تحالفات الرئيس “مادورو” مع روسيا والصين، تقف حائلاً أمام الطموح الأمريكي في السيطرة على الثروات وفي فنائها الخلفي الذي اعتبرته استراتيجية الامن القومي الأمريكي من أهم مناطق نفوذها، ويجب عليها منع أي نفوذ معادي، ما جعل ترامب يطبق “مبدئه” في السياسة الخارجية” السلام بالقوة” ، أي تحقيق السلام باستخدام القوة ، هنا لا يمكن أن نتحدث عن القوة الناعمة التي لطالما نادا بها “جوزيف ناي”، فطبيعة “ترامب” وقرارته في السياسة الأمريكية تدلل على أن القوة الخشة هي الأساس في هذا المبدأ، ما يدلل على هذا هو تغيير اسم وزارة الدفاع الأميركية ، الى “وزارة الحرب” ، ثم السلوك الأمريكي في تهديد الخصم واتباع سياسة حافة الهاوية ، وإعطاء فرصة للوصول لصفقة تصب في صالح الطرف الأميركي بالتأكيد، وبعد ذلك يتم استخدام القوة العسكرية الأميركية، وفعلياً طبق “ترامب” هذه السياسة في إيران ، ومع حركة المقاومة ،ومع الحوثي في اليمن ، بل طبقها مع “زيلينيسكي” نفسه لإجباره على قبول اتفاق سلام وتقديم تنازلات لإنهاء الحرب في أوكرانيا.

ثانياً: الاتحاد الافريقي وسياسة الإعراب عن القلق
ليس من الغريب أن يسارع الاتحاد الأفريقي لأدانه ما حدث فشأنه كشأن الهيئات والمنظمات والدول التي أدانت السياسة الأمريكية في التعدي على دول ذات سيادة، بل واعتقال رئيسها في مشهد يعيد للأذهان الدور الأمريكي في تنفيذ الانقلابات العسكرية التي قادتها المخابرات الأمريكية سواء في أمريكيا اللاتينية او حتى في الشرق الأوسط، وبطبيعة الحال، تتشارك القارة الأمريكية اللاتينية مع دول القارة الافريقية ويشكلان معاً “قوى الجنوب العالمي” هذا الجنوب الذي عانى من الاستعمار الغربي سواء البريطاني البرتغالي البريطاني والفرنسي، وبطبيعة الحال هناك الكثير الذي يجمع شعوب القارتين ليست اقلها كرة الاستعمار القديم والجديد والتعدي على السيادة الوطنية والاستنزاف المستمر لموارد القارة، وهو ما جعل الأخيرة تعاني من أزمات بناء الدولة والهوية المشتركة الوطنية ، أي ان افريقيا تعاني بسبب السياسات الاستعمارية من نفس ازماتها التي حدثت في القرن الماضي، أضف إلى ذلك النهب المستمر للثروات الذي تجلى في سياسة “ترامب” تجاه دول القارة، فالأخير لم يكتفي بنعت الافارقة بأنهم “حثالة” أثناء فترة رئاسته الاولي، لكن عدم التقدير وغياب الاحترام قد تجلى في استقباله لعدد من الرؤساء الأفارقة في مكتبه في البيت الأبيض، وعلى أي حال، ما يجمع شعوب القارتين كبير، وهو ما لا يدركه “ترامب” وعقليته الرأسمالية المتوحشة. وعلى أي حال، حاول بيان الاتحاد أن يعرب عن قلقه إزاء الأحداث والتي رفضها جملة وتفصيلاً وأعادها مناقضة لمبادئ القانون الدولي والشرعية الدولية.
ثالثاً: خصوصية الحالة الافريقية وسياسات “ترامب”
في الواقع، لا يمكن الجزم بما يمكن أن يطوق به عقل الرئيس الأمريكي “ترامب” ، فالأخير قد هدد جنوب افريقيا واتهمها بمزاعم قتل المسيحيين البيض ، كما هدد نيجيريا من قبل ، وهددها بالتدخل إذا لم تضع حدأ لما وصفه “المذابح ضد المسيحيين” ، بل أن الأخير سمح بتنفيذ عملية عسكرية ، واستهداف لبعض المواقع التي زعم انها تخص إرهابيين يقتلون المسيحيين وهي المزاعم التي تم دحضها من قبل في مقال سابق، كما أن “ترامب” أقدم على ايقاب الوكالة الامريكية للتنمية الدولية وهي الجهة المنوط بها تقديم المساعدات في مختلف المجالات للدول الافريقية، والتي اعتمدت عليها “واشنطن” للاستثمار في علاقاتها مع الدول الأفريقية، خاصة في مجال مكافحة الإرهاب وتقديم الدعم للقطاع الأمني والعسكري، وهو ما فتح المجال أمام الدول الافريقية، للتوجه الروسي والصيني المتزايد، لكن يبدو ان واشنطن تريد أن تقول للأفارقة ” اما معي او ضدي” وبدون مساعدات ، ولكن بالاستثمار ومعروف ان الاستثمارات الغربية وحتى المساعدات قد ساعدت على افقار القارة وليس لمصلحتها، وهذا لا يعني ان البديل الروسي والصيني لا يستغل القارة لكن على الأقل تكلفة الانخراط فيه ليس مرتفعة، وعلى أي حال، ما حرك الاتحاد الافريقي، هو التخوف من مواقف “ترامب” تجاه دوله وفي ظل موجة التكالب الدولي على القارة ومواردها ، فمن الممكن أن يتكرر نفس السيناريو ، كما أن الدول الافريقية ، تعاني من ظاهرة الانتقال غير الدستوري، والانقلابات العسكرية التي انتشرت في الغرب الافريقي بشكل كبير ، ولما لا ، وما يؤكد ذلك هو نشوة المحللين والإعلاميين الأمريكيين بما يحدث وتصويره بانه يمثل “نموذج الردع” لأي قوى تسعى لمقاومة النفوذ الأمريكي، أو تتقرب من الصين وروسيا بشكل يضر بمصالح “واشنطن”.
رابعاً: “ترامب” والتحرش بالدول الافريقية
بعد الضربة الأمريكية على شمال غرب نيجيريا، استضافت قناة “سي أن أن cnn” وزير الخارجية النيجيري “يوسف توغار”، وقد وجهت المذيعة سؤلاً مفاده “هل أنتم مستعدون لوجود قوات أمريكية على الأرض، إذا كان هذا في الواقع ما يتوقعه القائد الأعلى؟” وأجاب “توغار” بالقول: “هذه مسائل عملياتية يجب على جيشنا أخذها بعين الاعتبار. أنا مسؤول عن وزارة الشؤون الخارجية والدبلوماسية، وهذا أمرٌ من اختصاص وزير الدفاع وبعض أجهزتنا الأمنية، سيكونون في وضع أفضل للتعامل معه.”ويبدو أن السؤال قد أحرج الوزير النيجيري، وأكتفى بالخروج من هذا المأزق بانة قال” أنا وزير خارجية وليس وزير دفاع”، نموذج أخر من التحرش الأمريكي بالدول الافريقية، وهي “جنوب افريقيا”، الدولة التي تحركت لمقاضاة “إسرائيل” بسبب حرب الإبادة الجماعية على غزة، والتي لم تسلم من “ترامب” واتهاماته، بل إن الامر وصل بإدارة “ترامب” الى تهديد قضاه الجنائية الدولية ، وتهديد كل من يدافع عن القضية الفلسطينية، وعلي أي حال، لا يعتبر السلوك الأمريكي جديد فهو ما اعتادت علية القوى الكبرى في العالم وفي ظل نظام فوضوي نصبح أمام عالم تحكمه شريعة الغاب .
وأخيراً، تماشياً مع نهج الاتحاد الافريقي تسارعت الدول الإفريقية لإصدار بيانات عبر وزارة خارجيتها لأدانه ما حدث في فنزويلا، وقد اصطفت الى موقف الاتحاد الإفريقي، وعلى أي حال، لا تعد سياسة ترامب مستجده، بل هي امتداد للسياسة الامريكية التي أعادت على تغيير الأنظمة المقاومة او المناوئة لها، سواء بالانقلابات العسكرية او التدخل العسكري، وخاصة في المناطق التي تعتبرها مناطق نفوذ وهيمنة خالصة لن تسمح بوجود لقوى أخرى غيرها، ويظل التساؤل مطروح لدى الفارقة هل يمكن أن يحين الدور عليها؟


