لطالما كانت أفريقيا منتجًا رئيسيًا للذهب عبر قرون متعاقبة، إلا أن حضورها ظل محدودًا داخل المنظومات التي تتحكم في تنقية هذا المعدن وتسعيره وتخزينه وتداوله. غير أن هذا الوضع قد يكون مقبلًا على تحول ملموس، يسمح بتوطين القيمة الاقتصادية داخل القارة نفسها، ولصالح شعوبها.
ووقع البنك المركزي المصري، مذكرة تفاهم مع البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد لبحث إمكانية تأسيس بنك ذهب أفريقي، وهي مؤسسة تعمل على تنظيم سلاسل قيمة الذهب في مختلف أنحاء القارة، وتقلل اعتماد أفريقيا على مراكز التكرير والتجارة خارج حدودها.
ولا يقتصر الاتفاق على مسألة الموارد وحدها، بل يمتد إلى امتلاك العملية برمتها، من إدارة الإنتاج والتقييم إلى بناء استراتيجية مالية طويلة الأمد. وبحسب أفريكسيمبانك، فإن بنك الذهب الأفريقي من شأنه أن يتيح استخراج الذهب وصقله وتخزينه وتداوله والاستفادة منه ضمن أطر تخضع للسيطرة الأفريقية، بما يضمن الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة داخل القارة وتعزيز احتياطيات البنوك المركزية.
ولا يأتي هذا التحرك بمعزل عن السياق الزمني الراهن، إذ سجلت إيرادات مصر من تنمية الثروة المعدنية قفزة كبيرة خلال السنة المالية 2024-2025، مدفوعة بارتفاع إنتاج الذهب والفضة.
وأسهم هذا الأداء في توسيع النقاش القاري حول كيفية إدارة أفريقيا لمواردها المعدنية الاستراتيجية، في ظل عالم يتسم بتقلب سلاسل الإمداد وضغوط العملات واحتدام المنافسة الدولية على الموارد.

ذهب أفريقيا لأبنائها
رئيس أفريكسيم بنك، جورج إيلومبي، وصف الاتفاق بأنه رسالة واضحة مفادها أن الذهب الأفريقي يجب أن يعود بالنفع على الشعوب الأفريقية. ولا يقتصر الطموح هنا على البعد الرمزي، إذ إن بناء احتياطيات ذهبية مماثلة لما تحتفظ به الاقتصادات الكبرى قد يعزز استقرار العملات، ويحد من التعرض للصدمات الخارجية، ويفتح المجال أمام أدوات مالية جديدة تستند إلى أصول أفريقية بدلاً من ضمانات خارجية.
ويشمل التصور المقترح لمنظومة بنك الذهب إنشاء مصفاة معترف بها دوليًا، ومرافق تخزين مؤمنة، إلى جانب خدمات مالية وتجارية مرتبطة بها، مع احتمال إقامتها داخل منطقة حرة محددة في مصر، وذلك رهناً بنتائج دراسات الجدوى والحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة. ويُنظر إلى الموقع الجغرافي لمصر عند ملتقى أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا باعتباره ميزة لوجستية، لا سياسية، بما يؤهلها للقيام بدور المحفّز لا المتحكم.
وتكتسب هذه المبادرة أهمية إضافية من طبيعتها القارية، إذ تنص الخطة صراحة على إشراك الحكومات الأفريقية والبنوك المركزية وشركات التعدين ومختلف الأطراف المعنية بالصناعة في عدد من الدول، كما يقوم تصميمها على توحيد أفضل الممارسات، وتعزيز التعاون المؤسسي، ودعم تجارة ذهب مستدامة على مستوى القارة.
وبالنسبة لأفريقيا، فإن المسألة تتجاوز الذهب ذاته. فهي تتصل بمحاولة تصحيح نمط تاريخي طالما غادرت فيه المواد الخام القارة بأسعار متدنية، لتعود لاحقًا في صورة منتجات نهائية مرتفعة التكلفة أو أدوات مالية تخضع لسيطرة خارجية. ويأتي بنك الذهب الأفريقي كمسعى لقلب هذا المسار، عبر تثبيت عملية خلق القيمة بالقرب من المصدر.


