شهد مقر الأمم المتحدة في ديسمبر انعقاد المؤتمر الأكاديمي حول أفريقيا لعام 2025، الذي جمع نخبة من الأكاديميين والوزراء والناشطين من القارة، لمناقشة أسباب شعور قطاعات واسعة من الأفارقة بأن دولهم تسير في اتجاه غير صحيح، وللبحث في التغييرات المطلوبة كي تتمكن من انتزاع موقعها المستحق داخل نظام عالمي يشهد تحولات متسارعة.
وفي حديثها إلى أخبار الأمم المتحدة، استعرضت كريستينا دوارتي، المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بأفريقيا، أبرز ثلاث خلاصات خرج بها المؤتمر، مؤكدة أن تغيير الذهنيات السائدة، وإعادة الاعتبار للرأسمال المعرفي الأفريقي، إلى جانب تقوية المؤسسات، تمثل الركائز الأساسية لأي تحول حقيقي في القارة.
وحول أبرز مخرجات المؤتمر، أوضحت دوارتي أن الخلاصة الأولى تتمثل في ضرورة الإقرار بأن أفريقيا لا تعاني من عدد لا حصر له من المشكلات، بل من مشكلة محورية واحدة تتعلق بالعقلية.
ووفق رأيها، فإن تغيير هذه العقلية، والنظر إلى المعرفة الأفريقية باعتبارها الأساس لأي عملية تنمية، كفيل بأن يقود بقية المسارات نحو اتجاه جديد.
أما الخلاصة الثانية، فتتمثل في إدراك أن القارة، رغم مرور ما يقرب من ستة عقود على الاستقلال، ما زالت تواجه تحديات بناء الدولة وبناء الأمة.
وفيما يتعلق بالخلاصة الثالثة، شددت دوارتي على أهمية أن تفرض أفريقيا سيطرتها على مواردها الخاصة. فبرغم معاناة القارة من ضغوط الديون، فإنها ليست مثقلة بالديون بطبيعتها، بل إن جوهر أزمة المديونية يكمن في عدم تحكمها في تدفقاتها الاقتصادية والمالية.
وعن طبيعة العقلية التي ينبغي تغييرها، أشارت دوارتي إلى أن صناع القرار في أفريقيا غالبا ما يتجهون إلى الخارج بحثا عن القروض أو المساعدات أو الاستثمارات، قبل الالتفات إلى الإمكانات الداخلية، ولفتت إلى أن القارة تخسر يوميا نحو 1.4 مليار دولار، أي ما يعادل 500 مليار دولار سنويا، نتيجة غياب الكفاءة وتسرب رؤوس الأموال.
ورغم ذلك، لا تزال المساعدة الإنمائية الرسمية تحظى بالأولوية، على الرغم من أنها لا تمثل سوى نحو 10% من هذا المبلغ، كما أكدت أن النموذج التنموي يجب أن ينتقل من الاعتماد على المساعدات الخارجية إلى التركيز على تعبئة الموارد المحلية، ليس من خلال زيادة الضرائب، بل عبر الاستخدام الأكثر كفاءة للموارد المتاحة.
وفيما يخص التحويلات المالية من الأفارقة المقيمين في الخارج، أوضحت دوارتي أن هذه القضية بدورها مرتبطة بالعقلية السائدة. فحجم التحويلات يتجاوز 100 مليار دولار سنويا، أي أكثر من إجمالي المساعدات الإنمائية الرسمية والاستثمار الأجنبي المباشر مجتمعين. ومع ذلك، يتم التعامل معها باعتبارها تدفقات خارجية، في حين أنها في حقيقتها أموال قادمة من أبناء القارة أنفسهم، سواء من الرأس الأخضر أو غانا أو نيجيريا.
ومن منظور السياسات العامة، شددت على ضرورة التعامل مع التحويلات بوصفها موردا محليا، وإدماجها بشكل واع في استراتيجيات تمويل التنمية، بما يضمن توجيهها على النحو الأمثل.
وبشأن التركيبة السكانية، حيث يشكل الشباب دون سن الخامسة والعشرين أكثر من 60% من سكان القارة، قالت دوارتي إن هذا الواقع لا يمثل حاليا فرصة بقدر ما يشكل تحديا كبيرا، إذ يعمل أكثر من 85% من الشباب الأفارقة في القطاع غير الرسمي.
ولتغيير هذا الوضع، دعت إلى استثمار الثروة التي تولدها القارة بالفعل، والتي تقدر بنحو 500 مليار دولار، في بناء نظم اقتصادية قوية وقطاعات إنتاجية فعالة. كما شددت على أهمية تعميم تعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، بحيث يمتلك كل شاب أفريقي الأدوات التي تمكنه من الحصول على عمل لائق، مشيرة بشكل رمزي إلى أن وجود شجرة باوباب مزودة بخدمة الإنترنت كاف لوضع تعليم STEM في متناول الجميع.
ومن زاوية صنع السياسات، أكدت دوارتي أن الدولة تتحمل مسؤولية إنشاء النظم الاقتصادية الداعمة، بينما تقع على عاتق الشباب مسؤولية اغتنام الفرص المتاحة وخلق فرصهم الخاصة.
وحول ما يمنحها الأمل في مستقبل أفريقيا رغم هشاشة بعض الدول وتحديات الحكم، أوضحت دوارتي أن العامل الديموغرافي يقف في صالح القارة، إذ تشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2050 سيكون أربعة من كل خمسة شباب في العالم من الأفارقة.
كما دعت إلى التوقف عن استنساخ نماذج ديمقراطية غربية ضيقة، مشيرة إلى أن أفريقيا تمتلك تقاليد ديمقراطية متجذرة تقوم على التوافق والمشاركة والمسؤولية المجتمعية، وهي عناصر يمكن أن تشكل أساسا لديمقراطية أفريقية خالصة. واعتبرت أن أزمة الحوكمة الراهنة تمثل فرصة لإعادة بناء أنظمة سياسية تتلاءم بصورة أفضل مع الواقع الأفريقي.
وفي ختام حديثها، وجهت دوارتي رسالة إلى المشاركين في المؤتمر، أكدت فيها ضرورة الاعتراف الجماعي بتحدي العقلية، داعية إلى ما وصفته بـ«عقد معرفة» بين صناع السياسات والأكاديميين. فالمطلوب من صناع القرار تبني المعرفة الأفريقية لإعادة صياغة السياسات، بينما يتعين على الأكاديميين جعل أبحاثهم أكثر ارتباطا بالواقع الأفريقي.
وأشارت إلى أن كلا الطرفين ظل ينظر إلى الخارج، سواء بحثا عن الموارد أو عن الاعتراف، مؤكدة أن الوقت قد حان للالتفات إلى الداخل والعمل المشترك لرسم مسار أفريقيا خلال الخمسة والعشرين إلى الخمسين عاما المقبلة.


