الدور التركي في الصومال.. الأبعاد الاستراتيجية لإنشاء ميناء فضائي في ظل التحولات الإقليمية
Shaima Hassan Ali
باحثة متخصصة في الشأن الإفريقي
منذ وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة عام 2002، سعت “انقرة” لتطوير علاقتها بالقارة الإفريقية، وقد مرت العلاقات الافريقية التركية بعدة محطات، ولم يكن الانخراط التركي بهذا الحجم في الحكومات السابقة، إذ وضعت تركيا بقياد الرئيس “اردوغان” تصور يقوم على أساس تقوية العلاقات الأفرو -أوراسيا، ومن ثم تعزيز العلاقات بدول القارة، وفي غضون سنوات قليلة استطاعت تركيا أن ترفع تعاونها الاقتصادي من ملايين الدولارات الى مليارات الدولارات وبالتقريب 6مليار دولار، هذا فضلا عن تصدير الأسلحة التركية، وإثبات فاعليتها في صراعات مثل حرب “التيجراي” والحرب في السودان، و توفير ميزة التدريب والدعم الفني للأسلحة الموردة، وعلى جانب آخر، أصبحت الصومال قاعدة للانطلاق التركي في القارة، وبالأخص في منطقة القرن الإفريقي، وقد برز هذا الحضور في أعقاب محاولات الاستقرار والدعم الدولي والإقليمي لمحاولة إعادة البناء والاعمار ومواجهة إرهاب حركة الشباب المصنفة إرهابية، ومنذ تطور الاحداث في القرن الافريقي، واعتراف إسرائيل بإقليم “أرض الصومال” كدولة، طورت تركيا استجابتها لمواجهة المشاريع الانفصالية، وقد قامت “أنقرة” بالإعلان بشكل مباشر عن التنقيب عن البترول داخل المياه الإقليمية الصومالية، وأنشاء محطة فضاء تركية، وتسعى الورقة لتحليل الدور التركي في الصومال بعد التطورات الأخيرة وذلك على النحو الآتي:
أولاً: الإستراتيجية التركية في القرن الإفريقي لا يخفى على أحد الأهمية الاستراتيجية التي يتمتع بها القرن الإفريقي، من مزايا مثل الموقع الجغرافي ذو الإبعاد السياسية والاقتصادية، هذا الموقع الذي يشرف على أهم الممرات البحرية مثل جنوب البحر الأحمر ومضيق بابا المندب والمحيط الهندي، والتحكم في ما يقرب 14%من حجم التجارة العالمية والتحكم في مسارات الطاقة، هذه الأهمية والمكانة تجعل المنطقة تقع في قلب الصراع الدولي والإقليمي، في هذا السياق، برزت تركيا كداعم رئيسي لنمو هذه المنطقة وتعزيز استقرارها، عبر استراتيجيات مدروسة تهدف إلى توسيع دورها في القارة الإفريقية بشكل عام، وفي القرن الأفريقي بشكل خاص، وعلى أي حال، للتواجد التركي في قلب القرن الإفريقي، أبعاد اقتصادية وعسكرية وسياسية، وفي هذا فهي تعتمد على القوة الذكية تتراوح بين الاعتماد على القوة الناعمة “الثقافة ،المساعدات الإنسانية، المساعدات الإنمائية”، والقوة الاقتصادية “الاستثمار في البنى التحتية، وإعادة الإعمار” والقوة العسكرية “عبر توفير الدعم الفني والتدريب والتسليح، ومبيعات الأسلحة، إذ تمثل الصناعات الدفاعية العمود الفقري للنفوذ التركي في القارة الافريقية وبالأخص منطقة القرن الافريقي.

ثانياً: العلاقات التركية الصومالية تطورت العلاقات التركية الصومالية وتعززت بفضل زيارات الرئيس التركي منذ عام 2011وهي الزيارة الأولى التي جاءت ضمن الجهود الإنسانية التي تقوم بها تركيا لدعم الصومال، ويعد هذا العام محوري في العلاقات بين البلدين حيث تم افتتاح السفارة التركية بعد انقطاع دام عقد من الزمان، وفي عام 2015جاءت الزيارة الثانية مدعومة بخطط استثمارية في البنى التحتية والاستثمارات الاقتصادية واتفاقات دفاعية وعسكرية، وخلال عام 2017 افتتحت تركيا في “مقديشو” أكبر قاعدة تدريب عسكرية تركية خارج تركيا؛ للمساعدة في تدريب القوات الصومالية، وبسبب سعة هذه القاعدة فإنه يُمكنها تدريب ما يصل إلى 1500 جندي في الدورة التدريبية الواحدةوفي يناير 2024 جاءت زيارة الرئيس “اردوغان” للإعلان عن رفع مستوى العلاقات بين الدولتين لمستوى الشراكة الاستراتيجية، وهو ما يعني وصول العلاقات الى مجالات مهمة واستراتيجية تطال بشكل استراتيجي مجالي الطاقة والدفاع والمعادن، ومواجه التهديدات الأمنية الحرجية مثل القرصنة والتمرد الإرهابي، إي الانتقال من العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والإنسانية إلي توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي وأمني، خاصة وأن هناك قاعدة عسكرية تركية موجودة بالفعل، وصفَ بعض المراقبين هذه الاتفاقية بأنها استثنائية وغير مسبوقة لتركيا مع أيّ دولة، وجاءت مُوسَّعة بشكلٍ يُعطي تركيا نفوذًا عسكريًّا شبه كامل على الصومال، برًّا وبحرًا وجوًّا، ويرى بعض المتخصصين ، أن الهشاشة والضعف البنيوي التي تعاني منه “مقديشو” قد دفعت “أنقرة” لاختيارها كنقطة انطلاق للنفوذ التركي في القرن الإفريقي، خاصة وأن تركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية تريد أن يعترف بها العالم كقوى متوسطة ذات نفوذ وتعمل لحماية مصالحها في منطقة استراتيجية كالقرن الإفريقي.
وقد تجلى هذا بشكل واضح في أعقاب الخلافات المتصاعدة بين “مقديشو” و”أديس ابابا” بعد توقيع الأخيرة اتفاق يقضي بتواجد اثيوبي على موانئ “صومالي لاند”، ما عدته “مقديشو” تعديا على سيادتها ومحاولة لتفتيت وتقسيم وحدتها، وفي اعقاب ذلك طالبت “مقديشو” بانسحاب القوات الاثيوبية الموجودة ضمن بعثة الأمم المتحدة في الصومال، وفعليا، نجح “أردوغان” بالتوسط بين الجانب الصومالي والاثيوبي ورأب الصدع في العلاقات الهشة أصلاً بين الطرفين.
ثالثا: الاستجابة التركية بعد الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال بمجرد الإعلان عن الخطوة الإسرائيلية في ديسمبر الماضي، تحركت “تركيا” لدعم الحليفة الصومالية الحفاظ على وحدتها وسلامة أراضيها، كما أعلنت عن نيتها التنقيب عن النفط في المياه الإقليمية الصومالية وإرسال السفينة “كاجري بي” للسواحل الصومالية في فبراير المقبل، وفق الاتفاق الدفاعي والأمني الموقع في يناير 2024، حيث أعلن الرئيس الصومالي “حسن شيخ محمود” أن وقال الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود”إن الاتفاقية تهدف إلى إنشاء قوة عسكرية مشتركة بين البلدين، وإن هذه القوة ستحمي سواحل الصومال ومياهه الإقليمية، وستستثمر في موارد الصومال البحرية لمدة عشر سنوات، هذه القوات المشتركة ستعمل فقط لمدة عشر سنوات، وبعد ذلك سيكون لدى الصومال قواته البحرية الخاصة التي ستتولى هذه المهمة”، كما تم الإعلان عن انشاء محطة فضاء تركية في الصومال، بحيث تداولت الصحف التركية أنباء إنهاء أعمال دراسات الجدوى والتصاميم الخاصة بالمشروع، وأن التنفيذ الفعلي للمحطة قد بدأ فعلاً، وهنا يمكن طرح السؤال، لماذا الآن ، وما دلالات هذا الإعلان؟ في الواقع، تسعى تركيا لتعزيز برنامجها الفضائي وبدون الاعتماد على المصادر الأجنبية ( الغرب، الشرق)، ووفقاً لوزير الصناعة التركي” محمد فاتح كاسير” خلال حديثة مع وكالة “الإناضول: “فإن امتلاك ميناء فضائي سيكون خطوة استراتيجية تضع تركيا كفاعل مستقل وتنافسي وذو تأثير عالمي في الأنشطة الفضائية”، وأضاف “أن الاستثمار سيحقق مكاسب طويلة الأجل لاقتصاد الفضاء، وسيمكن من إطلاق مركبات إطلاق الأقمار الصناعية المطورة محلياً بشكل مستقل تماماً، وسيساعد في إنشاء نظام بيئي صناعي مستدام في تقنيات الإطلاق”، وتتطلع تركيا لأن يصبح ميناء الفضاء “سوق الفضاء التجاري العالمي”.
رابعاً: التوقيت ودلالاته جاء الإعلان عن انشاء الميناء الفضائي في 31ديسمبر الماضي، كما جاء الإعلان عن التنقيب عن مصادر الطاقة (نفط، غاز)، وإرسال سفن تنقيب تركية مطلع يناير الحالي، وكأن “أنقرة” ترد على الخطوات التي تدعم الكيانات الانفصالية في الصومال، وتعزز الدولة الصومالية وتحمي سيادتها وسلامة أراضيها وثرواتها أيضا، والواقع أن المنافسة الجيوسياسية قد تبدو جلية، خاصة بعد الدعم الإسرائيلي لأقليم “أرض الصومال”، هذا الدعم الذي يشمل قوى إقليمية أخرى مثل اثيوبيا التي تطمح للوصول لمياه البحر الأحمر والتخلص من الاعتماد الكلي على “جيبوتي”، او حتى قوى خليجية مثل “الامارات” التي سارعت لاستخراج تسهيلات لدخول أراضيها لمواطني “أرض الصومال”، كما تردد بعض التقارير الدولية فأن الأخيرة تقود جهود لدفع دول إفريقية للاعتراف بالكيان الجديد، هذا الموقف الذي يشتد منافسة بين القوى الإقليمية، يدفع بتهديد استقرار الإقليم الهش أصلاً، والذي يتميز بانتشار الحركات المسلحة والمتمردة والارهابية .
وعلى الرغم من النفوذ التركي المتصاعد، فهناك بعض التحديات لهذا الدور، منها هشاشة الدولة الصومالية نفسها، ووجود عناصر الضعف في بنية الدولة، ووجود مساحات غير محكومة مع سيطرة الجماعات الإرهابية والمسلحة، النزعة الانفصالية في أقاليم الصومال بشكل عام، ومنها أيضا الفساد المنتشر، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وهناك أيضا التنافس الجيوسياسي بين القوى المختلفة، والتدخل الخارجي لدعم قبائل في مواجهة قبائل أخرى ، وهذا لا يمنع ان هناك بعض النجاحات التي حققتها “تركيا” منها إعادة بناء المؤسسة العسكرية الصومالية ورفع كفاءتها. على أن التحدي الأبرز إذا ما تطورت الأوضاع مع إسرائيل، وفي حالة تحول المنافسة الى صراع حقيقي، فأن المصالح التركية ستكون في مرمى الأهداف الإسرائيلية، هنا يمكن أن نتحدث عن المشاريع الخاصة بالفضاء أو الطاقة أو حتى التواجد العسكري التركي نفسه، وليس بالضرورة أن يكون الاستهداف مباشر، ولكن يمكن أن يكون عبر وكلاء على الأرض، ويمكن اعتبار ما يحدث في السودان مثال حي، حيث تستهدف الميليشيات التابعة للدعم السريع المشاريع الاقتصادية والبنى التحتية ومصافي النفط.وأجمالاً، يتضح أن التوجه التركي نحو إنشاء ميناء فضائي في الصومال لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للاستراتيجية التركية في القرن الإفريقي، والتي تقوم على توظيف مزيج من الأدوات الاقتصادية والعسكرية والتقنية لتعزيز النفوذ الإقليمي وحماية المصالح الاستراتيجية.
ويعكس هذا المشروع تحوّلًا نوعيًا في طبيعة الحضور التركي، من التركيز على الدعم الإنساني وإعادة الإعمار إلى الانخراط في مجالات ذات طابع سيادي وحساس، مثل الأمن والفضاء والطاقة.

