وقعت تشاد والكاميرون في سبتمبر 2025، اتفاقية شراكة دفاعية استراتيجية في العاصمة الكاميرونية “ياوندي” لتعزيز الأمن على الحدود المشتركة، تركز على مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، من خلال عمليات مشتركة تشمل تبادل المعلومات والتدريب عسكري، مما يشكل خطوة مهمة لضمان الاستقرار الإقليمي وتأمين السكان.
جاءت الخطوة في ظل تصاعد خطر التنظيمات الإرهابية والاجرامية المسلحة، ومعاناة المجتمعات المحلية من ظاهرة الاختطاف مقابل دفع الفدية، وانتشار السرقة، كما أن الدولتين كانت لهما قبل ذلك تعاون مسبق، وبالتالي هناك خبرة في هذا المجال، وعلى الرغم من فاعلية النهج المتبع في مواجهة هذا النوع من التهديدات الأمنية، لكن تظل معضلة استخدام النهج “غير الحركي” والتفاعلي مع المجتمعات المحلية مستمرة، فغالبا ما تنظر المجتمعات المتضررة إلى العمليات العسكرية على أنها غير مجدية وتهدد سلامتها، ما يعقد الأمر أكثر، الصورة الذهنية المتعلقة بعلاقات المؤسسات الأمنية والعسكرية وارتباطها بالقوى الاستعمارية السابقة، وعلى جانب آخر، فإن استخدام القوة الناعمة يمكن أن يفتح قنوات الاتصال الموثوقة بين المجتمعات المحلية، وقوات الأمن، على أن هذه القوات يمكنها تعزز رفع الوعي لدى المجتمعات المحلية، وزيادة قدرتها على الصمود، ويناقش هذا التقرير جدوى وتحديات الاتفاقية الموقعة في سبتمبر.
اتفاقيات الدفاع المشترك (المفهوم والأهمية)
يعد هذا النوع من الاتفاقيات أداة استراتيجية لتعزيز الأمن الجماعي، وردع التهديدات وتوطيد التحالفات السياسية والعسكرية بين الدول، وتقوم هذه الاتفاقيات على تبني مفهوم الأمن الجماعي، وتكمن أهميته في توفير مظلة حماية جماعية، وتبادل الخبرات وبناء القدرات، وتقاسم الأعباء المادية وتعزيز الردع ضد التهديدات الأمنية المشتركة، إذ تلزم هذه الاتفاقيات الدول الأعضاء، بالدفاع عن بعضها البعض في حال تعرضها لأي تهديدات أو هجوم خارجي، كما أنها تعتبر وسيلة دبلوماسية بين الدول وتحويل التعاون السياسي الى تعاون عسكري، وبالتالي تكوين جبهة مشتركة موحدة.
وعلى المستوى العملياتي، فالاتفاقيات تسهل التدخل السريع المنسق في حالات الطوارئ والنزاعات، وأخيراً، تمنح الاتفاقيات إطارا شرعيا وغطاء قانوني ودبلوماسي في حال التدخل الفعلي وتنفيذ عمليات عسكرية يمكن أن يكون لها تأثير على مسرح العمليات فيما يتعلق بـ(البعد الإنساني).
وتُحدد اتفاقية 23 سبتمبر الحاجة إلى عمليات وتدريبات مشتركة على الحدود، وتعزيز التعاون، وتحسين تبادل المعلومات.
وتهدف الشراكة إلى تنسيق جهود مكافحة الإرهاب، ومواجهة النزاعات المرتبطة بالأرض (المزارعين والرعاة)، يتميز الاتفاق بعدة نقاط قوة، منها الخبرة المكتسبة من التعاون السابق مع قوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات MJTF، وتوفير منصة لتجميع الموارد.
ومن جهة أخرى، فإن الاكتفاء بتوقيع الاتفاقيات دون تفعيلها، لا يمكن أن يصب في مصلحة الشركاء، فما الذي سوف يمكن أن يتحقق دون مواجهة التهديدات التي تحيط بهم، لذلك من أهم التحديات التي يمكن أن تواجهه هذه الاتفاقيات هي (عدم التنفيذ الفعلي لمضمونها، وذلك إما لاختلاف مصالح الشركاء أنفسهم، أو الاعتماد على طرف واحد في التمويل والتنفيذ)، وهو ما يفضي في النهاية الى إضعاف الجهد الجماعي، وبالتالي إرباك المشهد الأمني، بما يصب في صالح الخصم المشترك.
لماذا تسعى تشاد والكاميرون إلى توقيع الاتفاقية
في الواقع، تعاني دول حوض “بحيرة تشاد” وبشكل خاص المنطقة الحدودية في تشاد والكاميرون، من عدة تهديدات أمنية مثل انتشار فصائل “بوكو حرام”، والجماعات الإجرامية، وتنظيمات اللصوصية. استخدمت هذه التهديدات تكتيكات “الخطف مقابل الفدية” والتهريب (أسلحة، بشر، مخدرات)، وبالتالي فرض هذا الوضع حتمية التعاون بين الدولتين، وعلى الرغم من وجود “القوة المشتركة متعددة الجنسيات”، إلا أن التجمع عانى من تحديات تبدو أنها تؤثر على فاعليته واستمراره، لذلك عزز هذا الموقف دولتي “تشاد” و”الكاميرون” التعاون الأمني والدفاعي الثنائي.
وبناء على الخبرة السابقة، والتي شملت مشاركة اطراف عديدة من دول “بحيرة تشاد” في القوة المشتركة متعددة الجنسيات ، يمكن القول، ان التحديات التي كانت وراء اضعاف التجمع دون الإقليمي لدول “بحيرة تشاد” فيMJTF، اذ قد ترددت دول حوض “بحيرة تشاد” في الاقدام على اتخاذ هذه الخطوة، وكانت قد اكتفت سابقا بتحالف أمنى لمواجه العصابات المسلحة الاجرامية منذ التسعينات وبالتحديد 1994، وهو تجمع قد عفا علية الزمن، كما انه كان لا يتناسب مع حجم التهديد الارهابي بعد انتشار خطر “جماعة اهل السنة للدعوة والجهاد JAS”، وانتشارها الإقليمي، بل واعلانها الخلافة عام 2014، كما تصاعدت هجمات الجماعة على دول الكاميرون والنيجر وتشاد، وهو ما حرك المياه الراكدة ودفع “ياوندي” الى ضرورة عقد مؤتمرات لتنفيذ وتفعيل قوة عسكرية مشتركة متعددة الجنسيات، وبالفعل تم تكوين القوة منذ عام 2015، بات هناك هيكل متناسب لمواجهة خطر الإرهاب في بحيرة تشاد، وعلى الرغم من استمرارها للوقت الراهن، الا ان وجود إشكاليات
وعلي أي حال، فأن قضايا مثل التمويل، واختلاف الأولويات للشركاء، وضعف الامداد اللوجيستي وتحديات التدريب، وتغيير الهيكل القيادي، كلها قيود حدت من فاعلية هذه القوة، وأضف الى ذلك انسحاب بعض الأعضاء مثل انسحاب “النيجر” منها قد أعاقت من فاعلية القوة ، وربما يكون هذا السبب قد شكل عامل ضغط على دول تشاد والكاميرون لتوقيع مثل هذه الاتفاقية، هذا بغض النظر عن الطبيعة الجغرافية وتعاظم خطر العصابات الاجرامية واللصوصية والتهريب، وتفشي ظاهرة الاختطاف مقابل الفدية الذي تفشى كتكتيك تستخدمه الجماعات الإرهابية والعصابات اللصوصية والاجرامية في هذه المنطقة، خاصة وأن الدولتان تشتركان في مساحة حدودية تصل ل1000كيلومتر، وهو الوضع الذي يستلزم تطوير التعاون الأمني والاستخباراتي لمراقبة الحركة على طول الحدود، وتعزيز القدرات في مواجهة هذا النوع من التهديدات غير التقليدية.
البعد الإنساني والقوة الناعمة في مواجهة التهديدات المشتركة
وفي الواقع، يؤدي انتشار عدم الاستقرار إلى تعطيل الصيد والزراعة والتجارة وسلاسل التوريد، مما ينتج عنه إغلاق أسواق مثل سوق الماشية في “بانكي” شمال شرق نيجيريا. وكما أن معدلات بطالة الشباب تصل في أقصى شمال الكاميرون إلى 75%، وهو وضع يُشجع الشباب على الانضمام إلى الجماعات المتطرفة العنيفة. أما على الجانب التشادي، فيُشارك تنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا (داعش غرب إفريقيا ISWP) بنشاط في أنشطة إرهابية وجرائم أخرى عابرة للحدود.
والواقع ان المجتمعات المحلية تعاني من اثار “هشاشة الدولة” وبما يعني تراجع تقديم الخدمات الأساسية، مثل التعليم والصحة والامن وانتشار المساحات الرمادية والتي لا تخضع لحكم الدولة، وفي مقابل ذلك تسارع الدول الافريقية لاستخدام الخيار العسكري لقمع التمرد الداخلي أو القضاء على التهديديات غير التقليدية، وبغض النظر عن استخدام أساليب الحوار والدبلوماسية، وذلك في سبيل اعتبار أن أي تمرد (جهادي، اجرامي، مسلح) غرضه التخلص من الحكم القائم، يفرز هذا الوضع تخصيص الموارد الاقتصادية لتنفيذ عمليات عسكرية تأكل من نصيب التنمية لهذه المناطق والمجتمعات، ما يعزز من إحساس التهميش، وزيادة الضغط على هذه المجتمعات المحرومة أصلا من التنمية، وهو الوضع الذي بالنهاية يصب في مصلحة العصابات والتنظيمات المسلحة والارهابية.
جدوى استخدام القوة الناعمة
ومن جهة أخرى، يعد التواصل مع المجتمعات المحلية وبناء الثقة بين الدول وهذه المجتمعات هي النقطة المحورية في عمليات مكافحة التهديدات غير التقليدية، فبطبيعة الحال، تسعى كلا من الدولة وخصمها (الجماعات الإرهابية، العصابات الاجرامية) الى كسب ثقة المجتمعات المحلية وذلك باعتبارها مصدر للتمويل والتجنيد والدعم، ويمكن ان يتم استخدام العصا والجزرة لتلك المجتمعات في إطار احتوائها (القدرة على التأثير من خلال الإقناع والجذب، بدلاً من استخدام القوة أو الترهيب أو الحوافز المالية)، وفي حالتي تشاد والكاميرون، فلابد للدولة من التعاون مع هذه المجتمعات، لتحسين القدرة على جمع المعلومات الاستخباراتية، ومن ثم إحباط العمليات قبل تنفيذها، وكشف تحركات العصابات الاجرامية، وتقويض القدرة العملياتية للخصم،
واخيراً، يسهم إشراك المجتمعات المحلية في بناء ثقتها، مما يزيد من احتمالية نجاح الاتفاق العسكري المشترك. كما يُقلل هذا النهج من التكاليف التشغيلية والخسائر البشرية، إذ يُتيح تبادل المعلومات الاستخباراتية تنفيذ عمليات عسكرية أكثر دقة، مما يُقلل من الأضرار الجانبية. وتُساهم الضربات الدقيقة المُستندة إلى المعلومات الاستخباراتية أيضًا في خفض الإنفاق على القوة النارية، وبالتالي تخفيف الضغوط على الميزانية. وبالتالي ولتحقيق النجاح في عمليات مواجهة التهديدات غير المتكافئة، وبالتالي لا بد من إشراك المجتمعات المتضررة منذ المراحل الأولى للتخطيط. ويُعدّ هذا النهج القائم على القوة الناعمة مكملاً حيوياً للنهج القائم على القوة الصلبة المتمثل في تنفيذ العمليات الأمنية والعسكرية.


