تعيش الجزائر منذ عدة سنوات وسط محيط إقليمي بالغ الاضطراب، تتشابك فيه الأزمات السياسية والأمنية على نحو غير مسبوق.
فمن الشرق تواصل ليبيا غرقها في حالة من الانقسام وعدم الاستقرار، ومن الجنوب تتصاعد التوترات في مالي والنيجر في ظل تحولات عميقة تشهدها منطقة الساحل، بينما يظل ملف الصحراء الغربية من الغرب مصدر توتر دائم يفرض نفسه على حسابات الأمن الإقليمي.
هذا المشهد المركب يضع الجزائر في تماس مباشر مع ما يمكن وصفه بفوضى الجوار، حيث تتقاطع التهديدات العابرة للحدود من إرهاب وتهريب وهجرات غير نظامية مع تحديات اقتصادية واجتماعية داخلية، ما يفرض على الدولة الجزائرية اعتماد حالة يقظة مستمرة للحفاظ على تماسكها الداخلي واستقرارها العام.
ووفقا للمركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، فإن احتمالات تفجر الأوضاع في المحيط المباشر للجزائر، تطرح أسئلة جوهرية بشأن قدرة الجزائر على تحصين جبهتها الداخلية من تداعيات الفوضى، ومدى فاعلية أدواتها الدبلوماسية والأمنية في منع انتقال ارتدادات الأزمات الإقليمية إلى الداخل، فالتشابك ترى معه الحدود أقل صلابة أمام المخاطر، ويجعل أي خلل في دول الجوار عاملا ضاغطا على الأمن الوطني، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
هذا الواقع يضع صناع القرار في الجزائر أمام مسؤوليات متزايدة تستدعي إعادة قراءة دقيقة للتطورات المتسارعة في الإقليم.
وتبرز هذه التطورات بشدة في الجارة الجنوبية مالي، التي تشهد تصاعدا في أعمال العنف والتحولات السياسية والعسكرية، وما يرافق ذلك من انعكاسات على مجمل منطقة الساحل والصحراء.
كما لا يمكن فصل هذه التطورات عن حالة الاضطراب المستمرة في ليبيا، حيث يظل الانقسام السياسي وتعدد مراكز النفوذ عامل تهديد دائم لأمن شمال أفريقيا. وفي الاتجاه الغربي، تفرض الأحداث التي يشهدها المغرب، وما يرتبط بها من توترات داخلية، نفسها كعنصر إضافي في معادلة إقليمية معقدة تؤثر بشكل أو بآخر على البيئة الاستراتيجية المحيطة بالجزائر.
وفي هذا السياق الإقليمي المتحرك، تبرز مجموعة من الملفات التي تشكل مصدر قلق متواصل للسلطات الجزائرية، وفي مقدمتها التحولات الجيوسياسية العميقة في دول الساحل والصحراء وما تحمله من إعادة تشكيل لموازين القوى.
هذا إلى جانب استمرار الفوضى والانقسام السياسي في ليبيا، وتصاعد وتيرة العنف في شمال مالي، فضلا عن الاضطرابات والاحتجاجات التي يشهدها المغرب. مجتمعة، تمثل هذه العوامل اختبارا حقيقيا لقدرة الجزائر على إدارة المخاطر الإقليمية وحماية استقرارها الداخلي في بيئة تتسم بعدم اليقين والتقلب الدائم.
