بينما تعيش منطقة الساحل الأفريقي حالة من التقلب الجيوسياسي الكبير، تسعى توغو إلى لعب دور الوسيط الإقليمي، عبر تسليم داميبا إلى بوركينا فاسو، فإن المنطقة تبدو أنها مقبلة على إعادة رسم خريطة جديدة للتحالفات والتوازنات السياسية بالمنطقة.
ويرى خبراء متخصصون في شؤون الساحل الأفريقي أن تسليم توغو للرئيس الانتقالي السابق لبوركينا فاسو، الجنرال بول هنري سانداوغو داميبا، يعكس دلالات سياسية ودبلوماسية تتجاوز مجرد تنفيذ طلب قضائي، إذ يأتي في توقيت شديد الحساسية في منطقة تعاني انقسامات واضحة بين الاتحادات الإقليمية والتحالفات العسكرية الناشئة.
وأشار الخبراء إلى أن الخطوة قد تعكس رغبة لومي في إعادة تحديد أدوارها ضمن التوازنات الإقليمية، خاصة بين دول الساحل الثلاث (بوركينا فاسو ومالي والنيجر) ومنظمة الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، حيث يُنظر إلى توغو الآن كدولة وسيط محتملة أو جسر للحوار الإقليمي.
وأكد الدكتور يامينغوي بيتينباي، المتخصص في الأنثروبولوجيا والعلوم الإنسانية بجامعة نجامينا في تشاد، أن قرار السلطات التوغولية بتسليم داميبا في 17 يناير الجاري ليس مجرد تطبيق عابر لطلب قضائي، بل مناورة دبلوماسية مدروسة، تعكس إدراك لومي لموقعها في قلب التوازنات الإقليمية بين المنظمات والدول المختلفة.
وأوضح بيتينباي أن الخطوة يجب أن تُفهم في سياق الانقسامات العميقة بالمنطقة، حيث انسحبت ثلاث دول من الساحل من الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا وشكلت تحالفًا عسكريًا جديدًا، فيما بقيت توغو عضوًا في الجماعة الاقتصادية وتُنظر إليها غالبًا كجسر بين الأطراف المتنافسة. وأضاف أن توقيت التسليم، بعد ثلاثة أعوام من إقامة داميبا في لومي، قد يشير إلى رغبة توغو في تعزيز دورها كوسيط إقليمي أو حافظ للتوازن في مواجهة الانقسامات، مما قد يمنح الرئيس التوغولي نفوذًا أكبر في الحوارات الإقليمية المقبلة، خصوصًا فيما يتعلق بأمن الحدود ومكافحة الجماعات المسلحة.
وأشار بيتينباي إلى أن التعاون القضائي بين لومي وواغادوغو قد يُستخدم كغطاء قانوني لتبرير دوافع سياسية أو استراتيجية بعيدة عن النظرة القانونية البحتة، لا سيما بعد أن تم تقديم ضمانات من بوركينا فاسو بشأن حقوق داميبا والمحاكمة العادلة وعدم تطبيق عقوبة الإعدام.
ومن جانبه، رأى الدكتور لوران فورشارد، الباحث في المؤسسة الوطنية للعلوم السياسية الفرنسية، أن القرار التوغولي يعكس تحوّلًا في ديناميات القوة والتواصل الإقليمي، خاصة بين أعضاء الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا ودول الساحل الثلاث المعزولة. وأكد أن تسليم داميبا بعد فترة من وجوده في المنفى لم يكن مجرد مسألة قانونية، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن توغو تريد تعزيز صورتها كدولة تحترم السيادة القضائية للدول الأخرى وتلتزم بالتعاون الأمني الإقليمي رغم الخلافات السياسية الحالية.
كما أشار فورشارد إلى أن الخطوة تأتي في وقت يشهد فيه الساحل سلسلة من الانقلابات العسكرية منذ عام 2020، ما يجعل الأمن الإقليمي أولوية، ويستلزم من الدول المجاورة إظهار التضامن، حتى في الحالات المثيرة للجدل، مضيفًا أن القرار قد يعزز التعاون القضائي والمعايير المشتركة للمساءلة في المنطقة، ويقوي الثقة المتبادلة بين دول الساحل والمنظمات الإقليمية المختلفة.
وقالت إذاعة “آر إف إي” إن الدور الدبلوماسي الذي لعبته لومي من خلال تسليم داميبا أثار العديد من التساؤلات حول موقف توغو من دول تحالف الساحل، التي انفصلت عن الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، وهل تسعى توغو لإرسال رسالة سياسية أو تعزيز موقعها الإقليمي؟
وأوضحت الإذاعة أن الوزارتين التوغولية والبوركينابية أكدت التعاون القضائي بين البلدين، إلا أن سرعة التنفيذ بعد سنوات من السماح بإقامة داميبا في توغو تجعل التفسير القانوني وحده غير كافٍ. وأشارت إلى أن توغو دخلت وسيطًا في الخطاب الدبلوماسي من خلال إعادة تأكيد دورها كفاعل إقليمي قادر على إدارة الأوضاع السياسية المعقدة، رغم الانقسامات بين هياكل السلطة التقليدية والمنظمات الإقليمية الحديثة في الساحل.
